إسرائيل تمنع دخول الإطارات المطاطّة إلى غزّة منذ عامٍ ونصف؛ الأضرار الاقتصاديّة هائلة

 في الصورة: محلات إطارات “أبو علبة” و “دغمش” في غزة. تصوير: أسماء الخالدي

في الصورة: محلات إطارات “أبو علبة” و “دغمش” في غزة. تصوير: أسماء الخالدي

1 كانون ثاني 2019. نشرت وسائل إعلاميّة الأسبوع الماضي أنباءً بأنّ إسرائيل تدرس إمكانية إعادة السماح بدخول الإطارات المطاطيّة إلى قطاع غزّة بعد أن منعت دخولها من معبر كرم أبو سالم منذ نيسان 2018. وبرّرت إسرائيل قرارها في حينه بأنّه ردّ على حرق الإطارات في مسيرات العودة التي انطلقت في آذار 2018. خلال العام 2017، السنة الكاملة الأخيرة التي سمحت إسرائيل خلالها بدخول الإطارات إلى القطاع، دخلت إلى غزّة من معبر كرم أبو سالم 81 شاحنة إطارات. في آخر 19 شهرًا سمحت إسرائيل بدخول ثلاث شاحنات إطارات فقط مخصّصة للأونروا، إذ تسمح إسرائيل بدخول الإطارات للمنظمات الدوليّة ، كما سمحت بشكلٍ استثنائيّ دخول ثلاث شاحنات إطارات أخرى للقطاع الخاص في آذار 2019، دون أن تقدم تفسيرًا لهذا الاستثناء.

“في البداية قدّرنا أنّ المنع سيُلغى بعد فترةٍ قصيرةٍ” يقول محمّد أبو علبة، وهو صاحب شركة تجاريّة لبيع الإطارات في غزّة، وذلك في حديثٍ مع الباحث الميدانيّ لجمعيّة “ﭼيشاه – مسلك”. تستورد شركة أبو علبة أغلب إطاراتها من الشركات الإسرائيليّة، ولها 6 فروع في قطاع غزّة. بحسب أبو علبة، قامت الشركة قبل المنع بشراء إطارات بقيمة 500 ألف شيكل. “لا تزال البضائع عالقة في المخازن الإسرائيليّة، وكل يوم إضافيّ يمر دون دخولها إلى غزة يراكم خسائر كبيرة بالنسبة لنا، لأننا مجبرين على دفع ثمن التخزين، كمان أن تاريخ صلاحيّة جزء من الإطارات نفذ أو سينفذ قريبًا. “ويقدّر أبو علبة وجود ما بقارب 1,800 إطارًا لسيّارات عائليّة، و250 إطارًا لشاحنات وآليّات ثقيلة تم شراءها من قبل زملائه، لا تزال عالقة في المخازن الإسرائيليّة إلى جانب بضائعه.

بالمقابل، ومنذ أيلول 2018، تدخل إلى غزّة إطارات عبر بوّابة صلاح الدين، بين مصر وغزّة. هذا التزويد ضروريّ لكنّه غير كافٍ بتاتًا. تُدار بوابة صلاح الدين بشكل غير شفاف من قبل شركة خاصّة في غزّة وشركة خاصّة في مصر وتحت رقابة الجيش المصريّ وسلطات حماس في غزّة. حركة البضائع عبر بوابة صلاح الدين هي باتجاه واحد، وليس في المعبر بنية تحتيّة ملائمة لنقل بضائع بشكل واسع. منذ كانون ثاني وحتى تشرين ثاني 2019، دخلت عبر بوابة صلاح الدين 49 شاحنة تحمل إطارات مطاطيّة . بحسب أبو علبة أن تاجرًا واحدًا يقوم على هذا الاستيراد، ويشتري الإطارات من مزوّد واحد في مصر. بعدها، يوزّع هذا التاجر الإطارات بين باقي التجّار في غزّة. الكميّة الواردة عبر صلاح الدين بعيدة عن سد الحاجة، وبحسب شهادات المشترين فإن جودة الإطارات متدنّية. ليس لدى التجّار أي إمكانيّة لتخصيص الطلبات بحسب حاجات الزبائن، ولذلك يضطرّون إلى الاكتفاء بأنواع وأحجام الإطارات التي تُشترى وتدخل من مصر من قبل المستورد الحصريّ.

يبلغ سعر الإطار المصريّ في غزّة اليوم 500 شيكل بالمعدّل، ضعف سعر الإطار المستورد من إسرائيل قبل المنع. ويتغيّر السعر بحسب نوع السيّارة وحجمها. ويُفسّر السعر المرتفع بشكلٍ غير معقول على أنّه يشمل “تكاليف التنسيق، الوساطة والشحن”، التي تجبيها الأطراف المختلفة في عملية الاستيراد. يبلغ سعر الإطار 100 شيكل في مصر ويُباع للزبائن في غزّة بـ 500 شيكل. ومن أسباب ارتفاع السعر عدم وجود طرف في القطاع يدير عمليّة الاستيراد من حيث تلبية الحاجات وتسعير البضائع.

طريقة دفع ثمن الإطارات هي عائق إضافيّ. بحسب أبو علبة، تعطي الشركات الإسرائيليّة للتجار في غزة إمكانيه الدفع بالتقسيط، أما الآن فيضطر التجّار إلى الدفع نقدًا ومقدّمًا ثمن الإطارات التي تدخل من مصر، لذلك فإنهم لا يستطيعون بيعها بالتقسيط لأصحاب سيارات الأجرة، الحافلات، سيّارات الخدمة والشاحنات في القطاع. هكذا، يستصعب الطرفان تحمّل العبء الماليّ، ولذلك يضطرّون للاكتفاء بتصليح الإطارات المهترئة، وهو ما يزيد من خطورة السفر بالمركبات. جهاد سليم، رئيس لجنة شركات النقل الخاصة، والتي تمتلك سويًا ما يقارب 1,200 شاحنة في القطاع، يقدّر بأن نصفها تحتاج تغيير إطارات بشكلٍ فوريّ. بحسبه، مئات الشاحنات غير ملائمة للسفر ومعطّلة.

معين أبو ربيّع، تاجر خضار (42 عامًا) من مدينة غزّة، يمتلك شاحنة. خلال السنوات العشرة الأخيرة، يمر معين في حقول منطقة رفح في الجنوب ويشتري من المزارعين البضائع، ويبيعها في سوق الخضار المركزيّ في شمال القطاع. يحمّل أبو ربيع بمساعدة عاملين بضائع بقيمة 5,000 شيكل تقريبًا، ويدفع ثمنها مقدّمًا. يدفع لكل عامل 30 شيكل يوميًا ويربح لقاء كل شحنةٍ بين 100 و150 شيكل.

منذ بداية العام، يستصعب أبو ربيع أن يجد إطارات جديدة لشاحنته. السفر عبر الحقول يسحق الإطارات ويُجبر بالتالي على تبديلها مرةً كل عام على الأقل. قبل الأزمة، اشترى أبو ربيع زوج إطارات بسعر 600 شيكل بالتقسيط. قبل ستة شهور بدّل زوج الإطارات بزوج إطارات مصريّة كلّفته 1,300 شيكل. لم تصمد الإطارات أكثر من شهرٍ ونصف، واضطر منه تبديلها مجددًا. وحيث لم يجد تاجرًا يستطيع بيعه بالتقسيط، اضطرّ إلى دفع مبلغ 1,300 شيكل نقدًا. اهترأت الإطارات مجددًا، ولا زال لا يجد من يبيع أطر جديدة بالتقسيط. “هل من المنطقيّ أن أستثمر ربع رأس مالي لقاء الإطارات؟” يتساءل.

تلقي الأزمة بظلالها على اقتصاد القطاع على أكثر من مستوى. “لم نعمل منذ أسبوع، نبحث عن إطارات فقط،” يقول حمّودة صرصور، أحد العمّال لدى أبو ربيع. “ليس لديّ مصدر دخلٍ آخر، ولا يمكنني أن أطلب مالًا من المشغّل، لأنّي أرى بأنّه هو الآخر ليس لديه أي مدخول. أتمنّى فقط ألّا نخسر زبائننا ونتمكّن من العودة إلى العمل فورًا.”

لا يزال كرم أبو سالم معبر البضائع الأهم في غزّة، والوحيد الذي تخرج منه البضائع أيضًا. بوابة صلاح الدين تُستخدم لإدخال بضائع معيّنة، وعلى السلطات في غزّة أن تعمل من أجل أن تلبّي هذه البضائع حاجات السكّان وتُباع بأسعارٍ معقولة. مع ذلك، فإن بوابة صلاح الدين لا يمكنها أن تشكل بديلًا عن كرم أبو سالم، الذي يربط اقتصاد القطاع بالمزوّدين والأسواق الأساسيّة في الضفّة الغربيّة وإسرائيل. منع البضائع الحيويّة بشكلٍ جارفٍ خطوة غير أخلاقيّة وتناقض القانون الدوليّ.

على إسرائيل أن توقف فورًا منع دخول الإطارات إلى قطاع غزّة، وأن تمكّن من دخول كل البضائع الأخرى التي تقيّد دخولها أو تمنعها، وألّا تشترط أكثر من الفحص الأمنيّ العينيّ. من منطلق سيطرتها الواضحة على كل مستويات الحياة في قطاع غزّة، عليها أن تمكّن السكّان من تحقيق كافّة حقوقهم، ولا سيما حقّهم بالعمل والحياة الصالحة