قد تكون المواد “ثنائيّة الاستخدام”. لكن الأزمة واضحة وقاطعة

صيّادون في قطاع غزة. تصوير: إيمان محمد

صيّادون في قطاع غزة. تصوير: إيمان محمد

في بداية شهر نيسان، قامت إسرائيل بتوسيع المساحة البحرية التي تسمح لصيّادي القطاع بالاصطياد فيها. وقد زاد هذا التوسيع من نشاط العاملين في الصّيد، وانطلقت قواربٌ كثيرة إلى البحر في اليوم التّالي، بيد أنّ القوارب، حين عادت، اصطدمت بذات الواقع المُزري الذي يرهق قطاع الصّيد في غزّة، ويؤدي إلى انقراضه منذ سنوات. فمنذ فرض الإغلاق على غزّة في العام 2007، تقوم إسرائيل بمنع دخول الموادّ الخام الضروريّة لإنتاج وإصلاح قوارب الصّيد. وهي الموادّ المشمولة في قائمة “الموادّ ثنائيّة الاستخدام”، وهي بضائع مدنيّة التي يوجد من يخشى أن يتم استخدامها لأهداف عسكرية. هذه الحقيقة، بالإضافة إلى تقليص المساحة البحريّة التي بموجبها يُسمح للصيّادين بالإبحار والصّيد فيها، قد أديا إلى إلحاق ضرر كبير بهذا القطاع التقليديّ في غزّة، وهذا ما أدى إلى تدهور أوضاع الصيّادين وإلى ارتفاع نسب البطالة في أوساطهم.

تفرض إسرائيل تقييدات على دخول الألياف الزجاجيّة [الفيبر چلاس]، والموادّ العازلة، والدهانات ومجفّفات الدهان، كما أنها تمنع دخول الأقمشة التي توضع على هيكل القارب قبل طلائه بالدهان. وإلى جانب ذلك، تقوم إسرائيل بفرض تقييدات مشدّدة على دخول ألواح خشبية التي يزيد سمكها عن سنتمتر واحد، وهي أيضا من المركّبات الأساسية لصناعة القوارب. وفيما يتعلق بالضبابية المحيطة بالآلية التي تتبعها إسرائيل لاتخاذ قراراتها بشأن هذه المواد (الحظر التامّ، الحظر الجزئيّ، بحسب ماذا يقررون الأمر، متى يصدر القرار بالحظر، وغيرها) وقضايا أخرى في هذا السياق، قمنا بنشر ورقة المعلومات الموجودة على هذا الرابط.

الأضرار التي تلحق بالقوارب، نتيجة إطلاق سلاح البحرية الإسرائيلي النار عليها، تزيد أيضا من الحاجة إلى هذه الموادّ. عدا عن كون القوارب الصّغيرة تتضرّر أيضًا بسبب اصطدامها بالّصخور، إلى جانب اصطدامها أحيانًا بقوارب أخرى نتيجة الضباب، الأمر الذي يجعل لقمة عيش هؤلاء الصيّادين متعلّقة بإجراء ترميم شاّمل وإصلاح هذه القوارب، وهو أمر بعيد المنال.

إلى جانب الموادّ الضروريّة لترميم القوارب، تدرج إسرائيل أيضا معظم أنواع محركات القوارب إلى جانب المعدات الخاصة برصد مواقع تركّز وجود الأسماك في البحر ليلًا ونهارًا، باعتبار هذه الموادّ موادًّا “ثنائيّة الاستخدام”.

وبحسب مصادر مُطّلعة على قطاع الصّيد في غزة، فإن عدد الصيّادين الفاعلين يبلغ اليوم 2،000 صيّادا فقط. لقد تم الزج بالكثير من الصيّادين إلى دائرة الفقر. وفي أواسط العام 2013، قدّرت الأمم المتحدة بأن 95% من صيّادي غزّة ومن أبناء عائلاتهم باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية في معيشتهم.

إن التقييدات الخطيرة المفروضة على دخول الموادّ الخام الأساسية الضروريّة لإصلاح أو بناء القوارب قد أدت إلى توقف مشروع دعم الصيّادين الذي كانت تنفذه مؤسسات دولية. في العام الماضي، أي عام 2015، قدّمت واحدة من المؤسسات التابعة للأمم المتحدة طلباً لاستصدار تصريح من إسرائيل بهدف دخول موادّ لإنتاج القوارب تحت إشرافها. كان الرّد الأوّلي من مديرية التنسيق والارتباط الإسرائيلية لقطاع غزة في معبر إيرز إيجابيّا، إلا أنه تم رفضه فيما بعد. وتدعي جهة كانت على اطلاع على المشروع بأن التغيير قد جرى بتوصية من جهاز الشاباك.

إن قائمة الموادّ “ثنائيّة الاستخدام” تضرّ بعدة قطاعات في غزّة. والتقييدات المفروضة على دخول الألواح الخشبية التي يزيد سمكها عن سنتمتر واحد، على سبيل المثال، قد أضرت بشكل كبير بقطاع الصناعات الخشبية، الذي تمكن من الصمود حتى في أقسى أيام الإغلاق. وعلى سبيل المثال، تضرّ التقييدات المفروضة على دخول مضخات المياه بقدرة مؤسسات المساعدة على تحسين البنى التحتية للماء والمجاري في غزّة.

هنالك معيار عالميّ لقائمة الموادّ المعرّفة على أنها موادّ ثنائيّة الاستخدام، ويطلق على هذا المعيار إسم اتفاق واسنر، إلا أن القائمة الإسرائيلية أوسع بكثير من المعايير العالمية المعروفة، وجزء غير بسيط منها حصري لقطاع غزّة. وتشمل هذه القائمة موادّا شديدة البعد عن أن تكون عسكرية. كثيرا ما يظهر بوضوح بأن أصحاب القرار الإسرائيليين حين يقومون بفحص الفائدة الأمنية التي قد تنجم عن فرض التقييدات، مقابل الأضرار التي تتسبب بها للحياة السليمة لسكان غزّة، على سبيل المثال في حالة قطاع الصّيد، يبدو أن مصلحة سكان غزة تكون مجرد عامل هامشي في هذه المعادلة.