واسعة الاستخدام

بعد الحرب الاخيرة في عام 2014، تم استخدام مدارس وكالة الغوث- UNRWA، كمأوِ وملاجئ لعشرات آلاف السكان النازحين. تصوير: إدوارو سوطرس خليل

بعد العملية العسكرية الاخيرة في عام 2014، تم استخدام مدارس وكالة الغوث (الأونروا)، كملاجئ لعشرات آلاف السكان النازحين. تصوير: إدوارو سوطرس خليل

31 كانون الثاني، 2016. قبل سنوات ستّ، أي ليس منذ زمن بعيد، منعت إسرائيل دخول الكزبرة إلى غزة. الكزبرة، الشوكولاتة، ألعاب للأطفال، أنواع محددة من الفواكه، والدفاتر. تم اعتبار كل تلك الأغراض على أنها “كماليات”، وقد كان منع دخولها أو السماح به خاضعًا لطيبة قلوب الموظفين رفيعي المستوى والمجهولين في وزارة الأمن الإسرائيلية. وقد سمّيت هذه السياسة، بدايةً، بصراحة، “حربًا اقتصادية“، أي أنها جهود إسرائيلية للضغط على السكان بهدف إسقاط حكم حماس في القطاع، ولكن، ومع مرور السنين، وكلما صار واضحًا أكثر بأن النقص في الشوكولاتة وورق التواليت لن يُسقِط حماس، أصبحوا يتحدثون عن هذه السياسة [علنًا] أقل فأقل. ومن استمر بمخاطبة صانعي القرار، سمع تشكيلة من التبريرات لهذه السياسة، بدءًا من محاولات التفريق بين سلطة حماس في القطاع وبين سلطة فتح في الضفة الغربية، وصولًا إلى الصياغة التالية: “لا يأكلنّ أحد فاكهة الكيوي فوق رأس چلعاد شاليط“.

على مر سنوات، وحتّى قبل تطبيق خطة “فك الارتباط” عن قطاع غزة، فرضت إسرائيل تقييدات على دخول بضائع مدنية معينة إلى كل من قطاع غزة والضفة الغربية بادعاء أنه بالإمكان استغلالها لأهداف عسكرية. وقد اتّسعت هذه القائمة مع السنوات وأضيف إليها المزيد من البضائع، وفي العام 2010 تم إضافة قائمة البضائع التي يتم تقييد دخولها إلى القطاع وحده. تحت مسمّى ثنائية الاستخدام، وتحت غطاء القلق من استخدام غرض مدني لأهداف مُعادية، قامت إسرائيل ومنذ العام 2007 بمنع دخول مواد البناء إلى القطاع، بداية عبر الادعاء بأنها قد تُستخدَم لبناء التحصينات، ولاحقًا، بادعاء أنها قد تُستخدَم لبناء الأنفاق. وبقي هذا الحظر على حاله أيضًا حينما كان معروفًا بأن مواد البناء تدخل بكميات ضخمة عبر الأنفاق من مصر، وبأن هذه التقييدات تضر بالهيئات الدولية وحدها.

في العام 2010، وبعد أن تعرقلت محاولة سيطرة جنود البحرية الإسرائيلية على الأسطول الذاهب إلى قطاع غزة، عاد الإغلاق على القطاع إلى العناوين مجددًا، فقررت دوائر صنع القرار في إسرائيل تغيير السياسة والسماح لبضائع مدنية بالدخول إلى القطاع. كما تشكّل اجماع واسع بأن السياسة السابقة كانت خاطئة. وقد صاغ رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها (واليوم) بنيامين نتنياهو الوضع كالتالي: “لقد أضر الإغلاق المدني بالإغلاق الأمني.”

القصة، أعلاه، هي مثال جيد على أضرار السياسات المسكوت عنها، مثال للإصرار على قرارات مُدمرة يتم اتخاذها لأهداف سياسية أكثر مما هي أهداف أمنية. لكنه أيضا بداية جيدة للنقاش حول السبب الرئيسي الذي بحجته، يتم فرض تقييدات على دخول بضائع مدنية إلى قطاع غزة.

بعد عملية “الجرف الصامد” تم السماح بدخول مواد البناء، مع اشتراط بقائها تحت الرقابة، إلا أن دخول العديد من المواد لا زال خاضعًا للتقييدات، وقد توسّعت بشكل كبير، في الشهور الأخيرة، قائمة المواد التي تُعتبر موادًا ثنائية الاستخدام. فمؤخرًا قامت إسرائيل بفرض تقييدات على دخول الألواح الخشبية، وقامت بالتسبب بانهيار قطاع الصناعات الخشبية والأثاث في القطاع؛ وقد أضيفت إلى القائمة أيضا أجهزة الـ UPS (التي تحمي الأجهزة الكهربائية من الضرر عند انقطاع في التيار الكهربائي وعودته)، على الرغم من الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي والتي يعاني قطاع غزة منها. كما تمنع إسرائيل دخول زيت الخروع، الأسمدة، أجهزة التصوير بالأشعة السينية (رنتچن)، الرافعات والمعدات الثقيلة، الأنابيب، البطاريات، وأجهزة لحام المعادن.

إن الحديث هنا، يدور حول الكثير من المُنتجات المدنية الضرورية والأساسية للإعمار، وللحياة بشكل عام. إن الحياة في ظل هكذا نقصان تؤثر سلبًا على أداء الحاجات الحياتية اليومية، وهي تبطئ من ورشة إعادة الإعمار وتقمع مبادرات جديدة وفرصًا حيوية لخلق نقلات نوعية. وفيما يلي المشاكل الأساسية:

  • إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي تعمل وفقًا لقائمة البضائع ثنائية الاستخدام، إلا أن القائمة الإسرائيلية هي أوسع بكثير من المعايير الدولية المعروفة، وهي تشمل العديد من الأغراض التي لا تعتبر عسكرية على الإطلاق، ويبدو بأنه لدى إجراء الاعتبارات في موازنة الفائدة الأمنية الممكنة كنتيجة لفرض التقييدات، أمام الأضرار التي يتسبب بها فرض هذه التقييدات على حياة سكان القطاع، فإن سكان القطاع هم عامل هامشي جدًا في هذه المعادلة.
  • إلى جانب القائمة الواسعة المذكورة، هنالك منظومة المصادقة المنهكة وغير الشفافة لدخول هذه المواد إلى القطاع، والتي تضع عوائقًا في وجه هيئات دولية ذات حضور قوي، إضافة إلى تجار القطاع الخاص، والمبادرين الشباب. فهذه التقييدات بالنسبة للكثيرين بمثابة أمر واقع، وذلك لأن عملية الحصول على موافقة لدخول أي من هذه المواد هي عملية غير واضحة، وشديدة التكلفة، وتعسفية وغامضة. وإضافة إلى ذلك، ففي هذه القائمة موادًا ممنوعة بحكم الأمر الواقع، بمعنى أنها في غالبيتها رمادية، لكن يوجد فيها بنود سوداء تمامًا.
  • عندما قمنا بإرسال رسالة إلى منسق أعمال الحكومة في المناطق، مطالبين فيها بالسماح في دخول الألواح الخشبية الضرورية للقطاع، أجاب في معرض ردّه، من ضمن ما أجاب به “ما من واجب يَفرض على إسرائيل السماح بدخول منتجات على هذه الشاكلة إلى قطاع غزة”. هذا هو التوجه، بالرغم من التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بالالتزام بإعمار القطاع.

إن إسرائيل تسيطر على بوابة الدخول الوحيدة للبضائع التي يستهلكها ما يربو على 1.8 مليون شخص، وهي تسيطر على إجراءات تسجيل السكان، وتسمح أو أنها لا تتيح البناء، وتصادر الأراضي الزراعية المحاذية للجدار، وتدير الفضاء الاتصالاتي وتقوم بفرض تقييدات شديدة على تنقل الأشخاص من وإلى القطاع. إن مستوى كهذا من السيطرة يفرض على المتحكم بها سلسلة من الواجبات القانونية والأخلاقية. وينبغي على إسرائيل حقًا أن تلتزم بواجبها بالسماح في دخول المواد التي على هذه الشاكلة وأخرى إضافية، وهي المواد الضرورية للحياة المدنية الطبيعية. والجيش الإسرائيلي يقول بأن هنالك فائدة أمنية من هذا الأمر.

ورقة المعلومات التي نقوم بنشرها اليوم هي بداية لفحص آلية إدارة قائمة المواد ثنائية الاستخدام التي تتطلب تصريحًا خاصًا من أجل السماح في دخولها إلى القطاع. وهي تحوي المعلومات القانونية والعملية، إلى جانب العلاقة بين وضع سكان قطاع غزة وبين الأضرار التي تتسبب بها هذه القائمة ويتسبب بها تطبيقها. وسنقوم، لاحقًا، بجلب أصوات أولئك المتضررين من هذه السلوكيات، ونقوم بفحص أضرارها ونشر كل معلومة جديدة ننجح في الكشف عنها.

لقراءة ورقة المعلومات يرجى الضغط هنا.