تصميم المستقبل

روزان الخزندار، مصمّمة ومبادِرة من غزّة، تناضل لتحقيق رؤيتها في عالم الأعمال والإبداع، وتساعد نساء أخريات، رغم التقييدات التي تفرضها إسرائيل على حركة الاشخاص والبضائع من وإلى القطاع.

روزان الخزندار. تصوير: أسماء الخالدي

كامرأة من غزّة، ولدت وكبرت في ظل التقييدات والاغلاق الإسرائيليّ، تعلّمت روزان الخزندار- وهي مصمّمة ومبادرة تبلغ من العمر 34 عامًا- في سنٍ صغير ألّا تفقد الأمل. في حوارٍ مع مندوبة “جيشاة-مسلك” تطلب الشابّة المفعمة بالطاقة والإصرار أن تشارك قصّتها الشخصيّة مع شابّات وشبّان آخرين في غزّة والعالم، لتستعرض الصعوبات والتحديات التي تواجهها كامرأة أعمال شابّة، أم لطفلين، تعيش وتعمل في قطاع غزّة تحت تقييدات إسرائيليّة على حركة الناس والبضائع.

في العام 2008، أنهت الخزندار تعليمها الأكاديميّ في مصر، وبعد سنوات عادت إلى بيتها في القطاع. “عدت إلى المكان الذي أحبه، عدت إلى بيتي”، تقول. “الحياة في غزة صعبة، خاصةً في ظل الاغلاق، إلا أن شيئًا لا ينتقص من حبي للمكان الذي وُلدت فيه. الناس والأماكن التي أعيش فيها تشكّل إلهامًا ودافعًا لنشاطي.”

حصلت الخزندار على بكالوريوس في البرمجة، لكنّها عرفت في مرحلة مبكّرة أن شغفها الحقيقيّ هو التصميم الجرافيكي. بدأت تعلّم التصميم بشكل مستقل وعملت لأوّل مرّة في المجال في تصميم وطباعة صور وشعارات على قمصان وكؤوس. واصلت الخزندار التعلّم وبدأت تصمم حقائب نسائيّة وقطع أزياء. “حوّلت غرفة نومي في منزل أهلي مكتبًا”، تقول. “بعد أن نجحت قليلًا، وخاصةً بدعم من أبي، اشتريت مطبعة خاصّة أستطيع بواسطتها أن أطبع تصاميمي. تحوّلت غرفتي مصنعًا صغيرًا. وسعدت جدًا بأن أكون محاطةً بإبداعاتي.”

من منتجات وتصاميم الخزندار

تروي الخزندار أنها فهمت سريعًا اهتمامها بتصميم منتجات يمكنها “أن تؤثر على نظرة المجتمع وتؤدي إلى تغيير حقيقيّ”. عام 2014، عندما غرقت شبكة الانترنت والإعلام العالميّ بصور الدمار والخراب الكارثيّة التي خلّفتها عمليّة الجرف الصامد في غزّة، بادرت الخزندار لمشروع ” Gaza is beautiful” الذي صممت فيه ملصقات تعرّف بالحياة والجمال في غزّة. “واقعنا بعد الحرب كان أصعب مما يُحتمل”، تتذكّر. “تمحورت الحياة حول الموت والدمار. حاول مشروعي أن يستعرض جانبًا آخر من غزّة – الجانب الحي. ذلك الجانب الذي ينجح، رغم كل الظروف، أن ينهض من تحت الركام.”

أقامت الخزندار موقعًا على الانترنت تعرض فيه مشروعها وتبيع تصاميمها مطبوعة على ملصقات، قمصان، محفظات، وحمّالات مفاتيح. أحد الفنادق السبّاقة في غزّة عرض مشروعها وتبيع منتجاتها في الفندق. نجح المعرض، وتواصل الكثيرون مع رسالتها، وحضروا إلى المعرض لشراء المنتجات التي تحمل تصاميمها. الظروف الصعبة في قطاع غزّة، قلّة فرص العمل ونسب البطالة المرتفعة دفعت الخزندار لتحاول بيع منتجاتها خارج حدود القطاع. فعلت الخزندار ذلك رغم معرفتها بأنّها مهمة شبه مستحيلة بسبب الإغلاق الإسرائيليّ والتقييدات الإسرائيليّة الكثيرة على حركة الناس والبضائع.

رغم الطلب الكثير، ورغم إرادة الخزندار الصلبة، منعت السياسات الإسرائيليّة تسويق المنتجات للضفّة الغربيّة، إذ تُفرض تقييدات كثيرة على تصدير البضائع بكميّات صغير عبر معبر كرم أبو سالم. تقيّد إسرائيل بشكل شبه مطلق طرود بيع البضائع عبر البريد، وتفرض تقييدات على البريد غير التجاريّ أيضًا. تُقصي السياسة الإسرائيليّة بشكلٍ شامل الخزندار وكثيرات مثلها، كما تقصي كل المصالح المتوسّطة والصغيرة التي تعمل بها النساء وتبادر لها. “شعرت وكأن كل الجهود الاقتصاديّة، الجسديّة، النفسيّة التي استثمرتها ذهبت هدرًا.” تقول الخزندار. “فقدت الأمل. كم يمكنني أن أبيع في غزّة؟ ما الذي أستطيع أن أربحه لأتطوّر؟ أريد أن أنمو وأبني علاقات تجاريّة جديدة، ولا يسمحون لي بهذا. حتّى اليوم، لا تسمح لي إسرائيل بتسويق منتجاتي وبيعها خارج القطاع.”

في الظروف الاقتصاديّة المتردية التي نشأت في غزّة، إثر سنوات طويلة من الاغلاق الخانق، لا تواجه النساء مجرّد احتمالات ضئيلة لإيجاد فرص عملٍ، إنما تواجه أيضًا معايير إسرائيليّة ضيّقة لتصاريح الحركة التي تمكنها إسرائيل، معايير مبنية وفقا لمجالات عمل مصنفة على انها تخص الرجال، وتقيّد أكثر فأكثر إمكانيّات التعليم، العمل، والتطوير المهنيّ خارج القطاع.

روزان وطاقم عمل روزا، في مكتبهم في مدينة غزة. تصوير: أسماء الخالدي

خلال هذه السنوات، حاولت الخزندار أكثر من مرّة أن تقدم طلبات لتصاريح لغرض التجارة والعمل. كل طلباتها التي قدمتها بنفسها رُفضت بادعاء أنها لا تلائم المعايير الضيّقة التي تفرضه إسرائيل على حركة الاشخاص، وبعد أن قدّمت السفارة الأمريكيّة في إسرائيل باسمها طلبًا خاصًا، تلقّت الخزندار تصريحًا لمرة واحدة للخروج إلى إسرائيل ثم الأردن للمشاركة في نشاط تنظمه السفارة.

بحسب نظام التصاريح الإسرائيلي، لا يُسمح بتقديم طلبات تصريح خروج لأجل العمل إلا “للتجّار”. في هذا السياق، تذكر إسرائيل أن مقدّم الطلب يجب أن يكون “تاجرًا رفيع المستوى، من شأن دخوله أن يساهم في تحسين اقتصاد القطاع ويعمل بتجارة بضائع مصرّح بها بحسب السياسة المدنيّة ساعة تقديم الطلب”. حتّى تقبل إسرائيل فحص الطلب، على مقدّم الطلب الإثبات، ضمن أمور أخرى، أنّ مدخوله السنويّ يزيد عن 20 ألف شيكل في العام، وأنّه يشغّل 5 عمّال على الأقل.

“منذ سنوات ترفض إسرائيل خروجي من أجل تطوير مشروعي، وأنا بالطبع لست الوحيدة في هذا الوضع”، توضّح الخزندار. من المعطيات التي كشفتها الدولة ردًا على طلب حريّة معلومة قدّمه مركز “جيشاة-مسلك” يظهر أنه في السنوات الثلاث بين 2017 و-2019 رفضت إسرائيل طلبات نساء من غزة لتلقّي تصاريح تاجر بادعاء “عدم ملائمة المعايير”، أكثر مما رفضت طلبات الرجال. بحسب معطيات اللجنة المدنيّة الفلسطينيّة، في العام 2019، لم تقبل إسرائيل إلا 23 طلبًا من أصل 151 طلبات قدمتها نساء عبر اللجنة للخروج للمشاركة بدورات، مؤتمرات وورشات مهنيّة. في العام 2018 لم تقبل إسرائيل إلا 22 طلبًا من أصل 618 طلبًا قُدّم عبر اللجنة المدنيّة من نساء للخروج للمشاركة في ورشات، دورات ومؤتمرات.

رغم أن الرجال يتضرّرون بشكل كبير من نظام التصاريح الإسرائيليّ، إلا أن واحدة من إسقاطات المعايير هي تهميش النساء أكثر من غيرهنّ من سوق العمل. نسبة عالية من خريجات الجامعات لا يجدن عملًا في غزّة في مجال تعليمهن، في الربع الثالث من العام 2020 بلغت البطالة بين النساء تحت سن 29 نسبة 88.4 بالمئة. بهدف مساعدة النساء اللواتي يواجهن صعوبات التأقلم في سوق العمل في غزّة، أقامت الخزندار مشروع “من كل بستان زهرة”. في الشهور الأولى للمشروع، تكفّلت الخزندار بتكاليف المشروع بنفسها، وتحاول الآن أن تجنّد تبرّعات للمشروع من أجل مساعدة المزيد من النساء. “نظّمنا حتّى الآن ورشات لتطوير وتعزيز عشرات النساء في غزّة، من ضمنهنّ من افتتحن مشاريعهن الخاصّة“، تحكي بفخر، “من القوّة أن ننجح نحن النساء بمساعدة بعضنا البعض. يهمني ألا تبقى امرأة واحدة دون عمل.”

روزان خلال العمل في المكتب. تصوير: أسماء الخالدي

خلال العام 2020، أقامت الخزندار شركة “روزا” للتصميم الجرافيكي، والتي تعمل بها اليوم 8 عاملات وعمّال. يجري العمل في “روزا” حتّى ساعات الظهيرة، ومن ثم يبقى المكتب مفتوحًا حتّى يتمكّن الموظّفون من استخدام المساحة والمعدّات المكتبيّة لتطوير وإنشاء مشاريعهنّ الخاصّة. “هناك الكثير من المبدعين في غزّة، وهم موهوبون لكن يجب منحهم المساحة، وهذا ما أفعله.” تقول.

اليوم، تعمل الخزندار على مشروع جديد لها: “فراشات فلسطين“، مبادرة جديدة لخلق حيّز افتراضي لنساء فلسطينيّات من مجال التصميم. “أحلم بحيّز افتراضي يجمع نساء فلسطينيّات من أماكن مختلفة”، تشرح. الجهود الهائلة التي تبذلها إسرائيل للتفرقة والفصل بين الفلسطينيين في غزة، إسرائيل، الضفة والخارج، استطاعت أن تفكك عائلات وتقطع العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. “المساحة الافتراضيّة يمكنها أن تجسر هذه الهوّة وتلتف على التقييدات وعلى الأقل إلى أن تتمكّن من الحركة واللقاء مجددًا. وهذا ما ترمز إليه الفراشات.”

     

المزيد في إصدارات ومعلومات

إصدارات
رسومات بيانية
بطاقة معلومات غزة