حياتنا تبدأ كل يوم من جديد

تعمل اعتدال الشيخ، 54 عاما، أم لتسعة، مع زوجها جابر، 55 عامًا، وخمسة من أبنائهم في صيد الأسماك. أربعة بناتها، خريجات جامعات، عاطلات عن العمل، مثل كافة الشابات تقريبًا ومعظم الشباب من خريجي الجامعات في غزة. تعيش العائلة في منطقة السوارحة قريبًا من البحر، وتمتلك قاربًا صغيرًا تستخدمه لكسب الرزق منذ أكثر من ثلاثين عامًا. يعمل بعض الأولاد على متن القارب مع الأب بينما يغوص الكبار منهم في البحر لصيد الأسماك.

عائلة الشيخ. تصوير: أسماء خالدي

تغادر اعتدال بيتها فجرًا كل يوم مع زوجها وأبنائها متجهين إلى الميناء. يجمعون أولاً الأسماك التي علقت في الشباك أثناء الليل ويقومون بنشرها مرة أخرى. تجلس اعتدال في المكان نفسه في الميناء منذ ثلاثين عامًا منتظرة عودة أبناء عائلتها من البحر لمساعدتهم على إنزال معدات الصيد من القارب وجمع الأسماك من الشباك قبل أن يبدأ يوم عمل اخر. “لا أحد يعرف كيف يُنتشل سرطان البحر مثلي” تقول مبتسمة وتستمر في طريقها إلى السوق لبيع “غلّة” اليوم.

“المرأة مكانها في الحيّز العام”، تقول اعتدال، “لست المرأة الوحيدة التي تعمل في غزة لكسب الرزق. كثيرات هن النساء اللواتي يتدبرن أمرهن بمفردهن رغم الظروف الصعبة”.

بكرها مهند، 32 عامًا، متزوج وأب لأربعة أطفال، يعمل في الصيد منذ صغره. يخبرنا مهند أن معظم الشباب في غزة غير قادرين على العثور على عمل، ما أدى به، من بين أمور أخرى، لأن يتنازل عن فكرة التعليم العالي والبحث عن عمل في مجال آخر. يقول أخوه محمد، 28 عامًا، أن لو كانت لديه وظيفة أخرى، أو الدعم الكافي لبناء مشروع تجاري، لترك الصيد. “الصيد عمل صعب وخطير”، يقول مهند.

عائلة الشيخ عند مدخل بيتهم. تصوير: أسماء خالدي

قاربهم قديم وصغير وغير آمن. عندما تهب رياح قوية أو عندما يكون البحر عاصفًا، لا يمكنهم الخروج إلى البحر. “لو كان لدينا قارب مع محرك لكان بإمكاننا الذهاب إلى البحر يوميًا والابتعاد أكثر من الأميال الثلاثة أو الأربعة التي نقطعها الآن، ما كان سيُحدث فرقًا كبيرًا في كميات ونوع الأسماك التي كنا سنصيدها”، يوضح مفلح، أخيهم الثالث البالغ من العمر 26 عامًا. يضيف محمد ويقول أن نوع الشباك التي يمتلكونها يحد من كمية وأنواع الأسماك التي يصطادوها أيضًا، حيث أنهم يمتلكون نوعين من الشباك فقط: لصيد السردين ولصيد السرطانات.

يعتمد مصدر رزق العائلة بأكملها على ما يتم اصطياده في اليوم نفسه. في صباح اليوم الذي التقت به العائلة مع الباحث الميداني من “چيشاه – مسلك” مثلًا، اصطادوا كمية من السرطانات بالكاد تكفيهم لشراء ما يحتاجون في اليوم نفسه. “لا يمكنك التفكير في الغد”، يقول لنا مهند. إذا قررت إسرائيل فرض المزيد من القيود على “منطقة الصيد” أو أن تمنع الصيادين من الذهاب إلى البحر، هذا يعني أن تقضي العائلة أيامًا دون طعام ودون القدرة على شراء احتياجاتها الأساسية. خلال عام 2020 وحده منعت إسرائيل الصيادين من الوصول إلى البحر مرتين، كعقاب جماعي، في 24 شباط/فبراير لمدة يومين وفي 16 آب/أغسطس لمدة 16 يومًا.

مهند ومحمد في البحر – شاطئ غزة. تصوير: أسماء خالدي

يصيد مهند ومحمد من خلال الغوص، ويتحدث كلاهما عن الصعوبات التي يواجهونها بسبب النقص في معدات الغوص والبدلات والزعانف. “معداتنا قديمة”، يقول محمد، “معدات الغوص الموجودة في السوق مكلفة للغاية لأن إسرائيل تمنع دخولها إلى القطاع”. تم إصلاح ملابس غوصهم عدة مرات بواسطة حلول مرتجلة. “إذا تمكنا من توفير بدلات غوص أخرى، سيتمكن إخوتي من الغوص معنا أيضًا، وعندها سنصيد كميات أكبر بالطبع”، يقول محمد. عمهم صياد أيضا لكن قاربه يحتاج إلى تصليح. تُعرّف إسرائيل مادة الفيبرجلاس المستخدمة لإصلاح القوارب على أنها “مزدوجة الاستخدام”، وبالتالي تمنع دخولها للقطاع بشكل شبه كلي. لذلك فإن قارب عمهم معطل وهو مضطر لمشاركة قاربهم الصغير معهم.

اعتدال خلال تحضير عجين الخبز. تصوير: أسماء خالدي

رغم كل التحديات، تقول اعتدال الشيخ “أستيقظ كل صباح فخورة بنفسي وبعائلتي. يستمتع أبنائي بمشاركتي في العمل معهم ويهمني أنهم يثقون بي”. تدرك اعتدال أن الكثيرين في القطاع ليس لديهم مصدر رزق غير مستقر حتى كما هو حال عائلتها.

في طريق عودتهم الى البيت. تصوير: أسماء خالدي

     

المزيد في إصدارات ومعلومات

إصدارات
رسومات بيانية
بطاقة معلومات غزة