نجاحٌ وجمال

حقّقت بسمة أبو مصطفى حلمها وافتتحت محلًا خاصًا بها يعيل عائلتها. من أجل تحقيق كافة قدراتها، يجب تغيير سياسات الإغلاق.

بسمة أبو مصطفى والمستحضرات التي أنتجتها. صور: أسماء خالدي

“لطالما أردت أن أكون طبيبة في هذه المنطقة التي كبرت بها. أقرب صيدليّة أو عيادة تبعد عنّا 20 دقيقة سفر، أردت أن أقدّم لمجتمعي منذ الصغر”. تعيش بسمة وائل أبو مصطفى (23 عامًا) مع عائلتها المؤلّفة من 3 أخوة وأختين اثنتين، في منطقة قرويّة قضاء خان يونس في قطاع غزة. عندما تعذّر عليها مسار دراسة الطب، اختارت أن تدرس الصيدلة والتغذية، واستمرّت دراستها لأربع سنوات. “عملت في عدّة صيدليّات،” تقول بسمة، “في بعض الأيّام لم أجد ما يكفي لدفع المواصلات لأعود من العمل إلى البيت”.

أصيب والدها، الذي شجّعها بشدّة على الدراسة، بجلطة دماغيّة واضطر إلى وقف عمله في منظّمة دوليّة. أمها، الحائزة على شهادة عمل اجتماعي، لم تستطع إيجاد فرصة عمل في مجالها. وقعت العائلة في ضائقةٍ شديدة. “من أجل ربح المال، اضطر أخوتي الصغار لقطف البرتقال وبيعه في الشارع”. ثم سمعت بسمة من مدير الكليّة في الجامعة التي تدرس بها عن برنامج تخصص في مجال صناعة الأدوية ومستحضرات التجميل. “تقدّمت، ورغم أنّي لم أمتلك أي مصدر دخل خلال فترة التعليم، شعرت بإحساس جيّد وخرجت من الاكتئاب والإحباط. نهاية البرنامج كانت بداية طريقي الخاص”.

تصل الطلبات من الضفة الغربية، إسرائيل، تركيا والأردن.

في نهاية 2019، بدأت بسمة تطبّق ما تعلّمته، وانطلقت بمشروعها. “كان عندي دوافع عديدة،” تشرح بسمة، “المركزي من بينهم هو الوضع الاقتصادي. لم يكن لدينا أي شيء. أخوتي أنهوا مرحلة التوجيهي، وفضلوا ألا يواصلوا تعليمهم الأكاديميّ، لأنهم رأوا أن التعليم لم يساعدني ولم يساعد غيري في إيجاد العمل. الدافع الآخر كان أمّي، وقد أصيبت بحروقٍ في وجهها في حادثٍ منزليّ في المطبخ. أرسلت أخي فورًا إلى صيدليّة في مركز المدينة، وعاد بعد 50 دقيقة. كما قلت، لا يوجد صيدليّة قريبة في المنطقة. أمي جميلة جدًا، وألمني أن أرى هذه الحروق على وجهها. بحثت وطوّرت مرهم من الزيت الطبيعي لعلاج الحروق، وكانت أوّل من جرّب هذه المرهم، وكانت النتيجة جيّدة جدًا”.

اضطرّت بسمة لبيع عُقد حصلت عليه هديّةً في طفولتها لقاء ما يقارب ألف شيكل حتّى تبدأ بتجهيز المستحضرات. دفعت نصف ما تلقّته لشراء المواد الخام. جهّزت زاوية عملٍ في بهو البيت وبدأت بالعمل. “المنتوج الأوّل الذي صنعته كان زيت الشعر. جرّبت المنتجات على عائلتي وجيراني. ثم بدأت أعلن على فيسبوك مع صورة المنتوج والسعر وكافة التفاصيل”.

المنتوج الأوّل الذي صنعته كان زيت الشعر.

وردت توجّهات من كلّ أنحاء القطاع. خلال سنة واحدة أنتجت بسمة 30 منتجًا مختلفًا، منها المراهم، الزيوت، مشروبات لتخفيف الوزن. “المنتوج الأكثر مبيعًا في قطاع غزّة هو صابون العناية بالبشرة. مع زيادة الطلبات، تولّى أبي أمر التوصيلات، حوّلنا صالون البيت إلى معمل، ونعبّئ فيه كافة العبوات ونجهّزها للإرسال. بما أنّ الصالون ممتلئ، صرنا نستقبل ضيوفنا في ساحة البيت”.

كل العائلة تعمل في هذه المصلحة، أحيانًا تشغّل أبو مصطفى عاملًا إضافيًا يساعدهم بالتعبئة. “عملت في البداية 5-6 ساعات بالخلط اليدويّ فقط، وكنت أذهب للنوم شاعرةً بالألم في كل جسمي. مؤخرًا اشتريت معدّات بمبلغ 500 دولار، لتسهل علينا العمل”.

بسمة وابيها خلال انتاج مستحضر.

تحكي بسمة أن النجاح لم يقوّي اقتصاد العائلة فحسب، حيث سدّت كامل استثمار أهلها وتمكّن أخوتها من مواصلة تعليمهم، إنما نجاحها يُلهم العديد من الفتيات حولها. يجري التسويق من خلال شبكة الانترنت. تصل الطلبات ليس من غزّة فحسب إنما من الضفّة الغربيّة أيضًا، ومن إسرائيل، تركيا والأردن. إلا أن إسرائيل لا تسمح بإرساليّات تجاريّة من قطاع غزّة. “هناك فرصة نجاح كبيرة لمشروب تخفيف الوزن والمرهم المرافق،” تقدّر أبو مصطفى، “أبيع كل رزمة بـ30 شيكل. هناك شركة ماليزيّة تبيع مستحضرًا مشابهًا بما يقارب 100 شيكل، إلا أنه بسبب وضع المعابر وصعوبات الحركة لا أستطيع أن أنافسها. هناك منافسة في قلب القطاع أيضًا، إلا أنّي أثق بمنتجاتي والحمد لله”.

كانت الفترة الأولى بعد انتشار الفزع من الكورونا، في شهر آذار، مميزةً بالنسبة لها، تقول أبو مصطفى. “لزمت النساء منازلهن وحصلن على مزيد من الوقت لأنفسهن، وأدّى ذلك إلى ارتفاع بالطلبات والمبيعات. ولكن بعدها، ومع بداية الصيف، شعرت بهبوط في المبيعات. لكنّي أفهم أنّها مشكلة واسعة، عالميّة، وما في اليد حيلة”.

حتّى تواصل تطوير منتجاتها، تحتاج تمويلًا إضافيًا. “قدّمت طلبات للعديد من المنظّمات. حتّى الآن لم أتلق أي دعم”. ترغب أبو مصطفى في أن تنقل مصنعها العائليّ إلى خارج البيت. “أحتاج لذلك ترخيصًا من وزارات الحكومة المختلفة. ومن أجل ترخيص المستحضرات أحتاج 150 شيكل لكل مستحضر. وأحتاج معدّات، مثل ثلّاجة وسائر أدوات العمل”.

تجميع مواد الخام من الحديقة البيتية.

هناك مواد خام تعرّفها إسرائيل “ثنائية الاستخدام”، وتمنع دخولها إلى غزّة أو تقيّده بشدّة، ومنها مادة الغليسرول اللازمة لإنتاج المراهم والصوابين. “هي مادة مركزيّة في العمل،” تقول بسمة، “العمل من دونها صعب جدًا”. مثلها مثل زبدة الكاكاو وزبدة الشيا وغيرها. “المواد الخام مكلفة جدًا، خاصةً لأنها نادرة في القطاع. لو توفرت أكثر، لانخفض السعر، واتّسعت الإمكانيّة لمزيد من الإنتاج ولمزيد من الربح”.

لبسمة تطلعات كبيرة للمستقبل، “أحلم أن أفتتح مركزًا طبيًا متقدّمًا، فيه وحدة للفحوصات الطبيّة ووحدة للإنتاج، وأن يتركّز عمل المركز بصحّة المرأة والعناية بها. أريد أن أواصل تعليمي أيضًا، حتى الحصول على الماجستير والدكتوراة”.

فحص المستحضرات في ساحة بيتها.

     

المزيد في إصدارات ومعلومات

إصدارات
رسومات بيانية
بطاقة معلومات غزة