نظرة وداع

في معبر إيرز. تصوير: “چيشاه – مسلك” (لا علاقة للسيدة الظاهرة في الصورة بفحوى النص)

بقلم: أمنية زعبي

19 أيار 2020. في مثل هذه الأيّام، بعد أن بدأت ترفع بعض تقييدات التنقل التي فرضت علينا خلال الأسابيع الأخيرة، وفي حين لا تزال في مخيلاتنا تخبطات كثيرة، وتساؤلات بخصوص خططنا المستقبليّة، وخوف على أحبّائنا المسنين، وأشواقٌ لأصدقائنا وأقاربنا، أصبح لدينا شعور أوضح بخصوص حريّة الحركة وأهميتها في الحياة.

في غزّة، كما الأمور في غزّة دائمًا، الواقع يختلف عن باقي العالم. فالتقييدات التي فُرضت علينا بسبب خطر الوباء، يعرفها ويعيشها الناس في غزة يوميًا جراء الإغلاق الذي تفرضه إسرائيل عليهم منذ سنوات طويلة. قرار الاقتراب أو الابتعاد عن أبناء عائلتهم ليس بيدهم منذ سنوات طويلة، حتّى في أكثر المناسبات استثنائيّةً. حياتهم العائليّة شأنُ تحدّده السلطة الإسرائيليّة لهم.

خطرت ببالي ه.س المقيمة في غزّة. يعيش أهلها وأخوتها في الضفّة الغربيّة. اتصلت بها أبناء العائلة قبل أربع سنوات وأخبروها إن والدها نُقل إلى المستشفى، وأنّ وضعه الصحيّ في تراجعٍ. توجّهت ه.س إلى الشؤون المدنيّة الفلسطينيّة، وقدّمت طلبًا ليُحوَّل إلى مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة لغزّة، بهدف إصدار تصريح للخروج إلى الضفّة عبر إسرائيل. مرّ أسبوع، وأسبوع آخر، ولم تتلقّ أي إجابةٍ، بينما تدهور وضع والدها الصحيّ.

تحت هذا الظرف القاهر، توجّهت لنا في جمعية “چيشاه – مسلك” لنساعدها باستصدار تصريحٍ يسمح لها رؤية والدها، ربّما لآخر مرّة. بعد أن قرأت الوثائق، ظهر أنّ أحد التقارير الطبيّة التي نُقلت للسلطات الإسرائيليّة ينقصه توقيع. خلال أسبوعين من الانتظار، لم تتكلّف أي جهة بإبلاغها بنقص هذا التوقيع، وبأنّ طلبها لم يُعالَج لهذا السبب.

أرسلت العائلة تقريرًا طبيًا جديدًا ومعه التوقيع اللازم، قدّمت الطلب مرةً أخرى إلى الشؤون المدنيّة الفلسطينيّة التي نقلتها للجانب الإسرائيليّ. يمرّ يوم، ووالدها يحتضر، ثم يوم آخر. نشعر أننا في سباقٍ. من الذي سيفوز؟ بيروقراطيّة مكتب الارتباط أم جهاز التنفّس الاصطناعيّ؟

انتصرت البيروقراطيّة. ليلة الثلاثاء توفّي الدها.

توجّهت في اليوم التالي إلى مكتب الارتباط، وأعلمتهم بأن طلب زيارة الأب المريض لم يعد قائمًا، وأنّ ه.س تحتاج الآن للخروج لتشارك عائلتها مراسيم العزاء. طلبوا رسالة رسميّة مرةً أخرى، ومستندات، وشهادة وفاة. بعد ست ساعات، في نهاية اليوم، اتصل مندوب مديرية الارتباط ليُعلمنا بكلٍ فتور بأنّ ه.س ممنوعة من الخروج لأسبابٍ أمنيّة وأنها لن تحصل على التصريح. في هذا الوقت كانت العائلة قد أجّلت الدفن في انتظار وصولها.

يوم الخميس توجّهنا إلى المحكمة بالتماس عاجلٍ وعُيّنت الجلسة لذات اليوم. نهاية النهار، وافقت الدولة بضغط من المحكمة أن تصدر لـ ه.س تصريحًا للوصول إلى عائلتها. بموازاة جلسة المحكمة، وُوري والدها الثرى.

وصلت ه.س إلى معبر إيريز في اليوم التالي، يوم الجمعة صباحًا، ينتظرها التصريح عند الموظفة على بعد أمتار قليلة من حيث تجلس. لا أحد غيرها ينتظر، ومع ذلك يتركونها تنتظر مدّة أربع ساعات. في النهاية، تتلقّى التصريح وتخرج من غزّة نحو بيت عائلتها. تلتقي بأخيها هناك، والذي عاد إلى الجنازة من اسبانيا، وأولاد أخوتها الذين عادوا من السعوديّة ودبي. حكت لي أنّها سألتهم جميعهم عن نظرة والدها الأخيرة.

أمنية زعبي هي مركّزة توجهات جمهور في جمعية “چيشاه – مسلك”

     

المزيد في إصدارات ومعلومات

إصدارات
رسومات بيانية
بطاقة معلومات غزة