شرذمة مجتمع

تعمل مؤسسات المجتمع المدنيّ الفلسطيني في قطاع غزة في الفراغ الواسع القائم ما بين السّلطة والسكان. فالأطفال الموهوبون موسيقياً، والنساء اللواتي يعانين من ضائقة، والرياضييّن ذوي الإعاقة، إلى جانب المهندسات ذوات الموهبة في البرمجة المحوسبة، كلّ أولئك يستعينون بأطر وبأنظمة وبخبرات مؤسسات المجتمع المدنيّ بهدف التقدم والتطور في مجالاتهم ولتحسين ظروف حياتهم. ومن الصّعب فهم سبب تغاضي إسرائيل بشكلٍ جارف عن أهميّة عمل هذه الأطر، ومنع الأشخاص الفاعلين فيها  من التنقل بين أجزاء الأرض الفلسطينيّة وخارجها، حتى لو لم يكن الأمر لأسباب مهنيّة.

للسّياسة الإسرائيليّة المستمرة، والتي تهدف إلى خلق فصل بين الفلسطينيّين في قطاع غزّة وبين فلسطينيّي الضفّة الغربيّة، آثاراً جسيمة على الحياة اليوميّة. فمنذ زمنٍ ليس ببعيدٍ أوضحنا كيف يتضرّر الاقتصاد الفلسطينيّ من هذه السّياسة – في غزّة بشكل أساسي، ولكن الأمر لا ينحصر فيها – كما سلطنا الضوء على التمزق الذي تسببه هذه السياسة للعائلات المشتتة بين أجزاء الأرض الفلسطينيّة. نحن  ننشر اليوم بحثًا جديدًا، وهو بمثابة وثيقة فريدة وطلائعية، تعتمد على سلسلة من اللقاءات التي أجريت في قطاع غزّة مع عشرات من موظفي ومدراء في مؤسسات المجتمع المدنيّ في القطاع، الذين حدثوننا عن الوضع، بكلماتهم هم.

إنّ سياسة الفصل التي تفرضها إسرائيل تصعب جدًا عمل المؤسسات،  حيث يشتمل عملها التنسيق لنشاطات تتعامل مع قضايا معقدة تواجه المجتمع الفلسطينيّ. التقييدات المفروضة على التنقل تُصعّب على المؤسسات إرسال موظفيها إلى لدورات ولتدريبات مهنية، كما أن هذه المؤسسات تصارع عبثا لكي يشارك أعضاءها في مؤتمرات أو مسابقات سواء في الضفّة أو في دول الخارج. علاوة على ذلك، فإنّ التقييدات المفروضة على دخول الأجانب إلى القطاع تفاقم من مصاعب تجنيد الأموال وبناء علاقات طويلة الأمد  التي من شأنها أن تضمن وجود نشاطات ثابتة ومبرمجة.

عدا عن هذه التأثيرات المباشرة، يشهد ممثلو هذه المؤسسات بأن سياسة الفصل والإغلاق قد خلقت تغييرات اجتماعية بعيدة المدى، إضافة إلى التغييرات في أولويات سكان قطاع غزّة، وهي تغييرات أثرت بشكل كبير على عمل المؤسسات. إنّ مواضيعا هامة كالمساواة الجندرية، الفن، وتعزيز قيم حقوق الإنسان- يتم إقصاؤها إلى الهامش. إنّ المس بعمل هذه المؤسسات وبالمواضيع التي تدافع عنها يحمل بعدًا إضافيًا يتمثل في تقطيع الروابط التي تربط المجتمع الفلسطينيّ، وهو ما يؤدي إلى تصدع الثقافة المشتركة ويضعف القدرة على ايجاد إجابات للتحديات الآنية والمستقبلية الجاثمة أمام المجتمع. تضطر مؤسسات المجتمع المدنيّ إلى العمل بكل طاقتها خلق مجتمع صحي، منتج، متسامح، قادر على الاستجابة لجميع حاجات أفراده، وذلك من حقهم كما هو من حق باقي البشر.

يعتمد البحث على لقاءات مع ممّثلين عن 32 مؤسسة من خمس قطاعات: مؤسسات نسائية، مؤسسات ثقافية وفنية، مؤسسات حقوق الإنسان، مؤسسات إنسانية التي تقدم خدمات طبيّة ونفسيّة، بالذّات للأشخاص ذوي الإعاقة، ومؤسسات تنموية. وقد إستمعنا إلى ما قالوه بخصوص المصاعب التي تنجم عن التقييدات المفروضة على التنقل، إلى جانب الأثمان الباهظة المترتبة على الانقسام السياسي داخل المجتمع الفلسطينيّ، وحول الإمكانيات غير المستغلة الكامنة في خبراتهم هم، وخبرات المجتمع المدني الفلسطينيّ ككلّ. ورغم أن الانقسام الفلسطيني الداخلي يثقل أيضًا على كاهلهم، يقول قادة المجتمع المدني الفلسطيني أن تقييدات التنقل تمس بقدرتهم على الدفع باتجاه المصالحة والتعويض عن أضرار الانقسام.

إنّ لهذا التقرير استنتاجين رئيسيين:

  1. تنقل حر للفلسطينيّين بين غزّة والضفّة الغربيّة، بما يخضع لفحص أمني فردي، هي الإمكانية الوحيدة لإعادة ترميم الاقتصاد، والمجتمع، والسّياسة الفلسطينيّة، وهي المفتاح لمستقبل أكثر استقرار للمنطقة بأسرها.
  1. على إسرائيل أن تعترف بالاحتياجات الشرعية لمؤسسات المجتمع المدنيّ، وبأهميتها الفائقة في شأن وجود مجتمع قادر على العمل، كما أن عليها أن تسمح لممثلي هذه المؤسسات بالسفر إلى الخارج وبالتنقل بين مناطق الأراضي الفلسطينيّة المختلفة.

    لقراءة التقرير >>