يصادف اليوم مرور عام كامل على العدوان العسكري الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة في أيار 2021، والذي أسفر عن مقتل 261 شخص في القطاع، 67 منهم من الأطفال، بالإضافة إلى 13 قتيل داخل إسرائيل منهم طفلين. كانت الحياة في قطاع غزة صعبة بشكل لا يطاق حتى قبل العدوان الجوي الأخير الذي أصاب البنية التحتية المدنية الحيوية، ودمر المباني السكنية والتجارية، وأدى إلى تشريد الآلاف. يواجه حتى اليوم الكثيرين من سكان القطاع أضرار وتداعيات العدوان في ايار الذي أثر على صحتهم الجسدية والنفسية وعلى الممتلكات، كل هذا في ظل خوف مستمر من حرب أخرى ودون أي أفق للتحسين.

بعد انتهاء العدوان في 21.5.21، ولعدة أشهر، فرضت اسرائيل تقييدات أكثر شدة من المعتاد على دخول المواد والسلع الضرورية إلى القطاع، كما ومنعت حركة الأشخاص حتى للاحتياجات القليلة التي تعتبرها إنسانية. في شهر حزيران 2021 فقط بدأت إسرائيل بالسماح مجددًا، وبالتدريج، لمرضى السرطان بالخروج لتلقي العلاجات المنقذة للحياة في مستشفياتها وداخل الضفة الغربية، وجددت دخول الوقود إلى محطة توليد الكهرباء في غزة وأتاحت خروج المنتجات الزراعية لتسويقها خارج القطاع. في نهاية شهر آب فقط سمحت إسرائيل بدخول مواد البناء إلى القطاع الخاص في غزة لأول مرة منذ بداية العدوان، كما وجددت حصص التصاريح المخصصة للتجار وعمال المياومة، لأول مرة منذ فرض “إغلاق كورونا” على إيرز في آذار 2020. وفقط في ايلول 2020 أعادت إسرائيل السماح بالخروج إلى مسافة أقصاها 15 ميلا بحريا كما كان الأمر عشية العدوان.

أي تغيير بسيط في السياسة الإسرائيلية فيما يتعلق بحركة الأشخاص والبضائع من غزة وإليها، وكذلك اتاحة الوصول للمنطقة البحرية، يؤثر بشكل مباشر على ظروف الحياة في القطاع وعلى حقوق سكانه الأساسية. الإزالة التدريجية والجزئية للتقييدات المفروضة على الحركة من وإلى غزة ليست كافية للتعويض عن الأضرار الجسيمة التي أسفرت عنها أحداث أيار بحسب، بل أيضًا مخالفة لالتزامات إسرائيل بموجب القانون التي تفرض عليها احترام حقوق الإنسان وتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين أثناء الحروب وبعدها.

حتى يومنا هذا، بعد عام، هناك سلع حيوية تواصل إسرائيل تأخير دخولها، بما في ذلك آلاف المواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة. تغلق إسرائيل أيضًا، وبشكل متكرر، معبر إيرز أمام حركة عمال المياومة بسبب أحداث لا علاقة لهم بها، وتخضِع حركة البضائع لتقييدات مجحفة تعرقل الحياة الاقتصادية، ناهيك عن التطور الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تزداد الكوارث في جميع انحاء العالم التي تستحوذ على اهتمام المجتمع الدولي وتمويله. مصادر التمويل لإعادة إعمار غزة في تضاؤل، ومشاريع تطوير البنية التحتية الأساسية تواجه مرارًا وتكرارًا عقبات يفرضها نظام التصاريح الإسرائيلي. الصراع المستمر بين السلطات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية يهمش احتياجات السكان. حتى اليوم تم اخلاء معظم الأنقاض التي خلفها العدوان في أيار، اعادة الإعمار تسير بشكل بطيء وترميم القطاع بتأخر. يتردد المانحون الدوليون في استثمار الموارد لإصلاح الاضرار طالما أن هناك خطرا حقيقيا من هجوم اسرائيلي اخر يؤدي أن تذهب استثماراتهم سدى. في ظل كل هذا، يحاول سكان القطاع مواصلة حياتهم تحت خوف مستديم من عدوان إسرائيلي آخر.

مع أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ادعت أنها حكومة تغيير، الا أنها تواصل، مثل سابقاتها، سياسة العقاب الجماعي المجحفة والمدمّرة ضد الفلسطينيين الذين يعيشون تحت احتلالها. تعرض إسرائيل التغييرات البسيطة في سياستها بالنسبة لحصص المحددة لحركة الأشخاص والبضائع من وإلى غزة على أنها تسهيلات و- “لفتات”، وكأنها غير ملزمة أصلًا بالسماح بأكثر من ذلك بكثير. أثبت خمسة عشر عامًا من الإغلاق الخانق المفروض على قطاع غزة بما لا يدع مجالاً للشك أن نظام المكافأة والعقاب لم يفشل بتحقيق أهدافه الأمنية والسياسية فحسب، بل له أيضًا تداعيات كارثيّة ومتعمدة وغير ضرورية على قطاع غزة. كل هذا بهدف استمرار فرض السيطرة على الأراضي المحتلة أثناء تجاهل حقوق الفلسطينيين بشكل فظ وفاضح.