منعت إسرائيل، مع بدء العدوان على غزة في أيار 2021، تنسيق ودخول المواد الخام وقطع الغيار وغيرها من المعدات والأدوات الضرورية الأخرى لعمل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في القطاع. بدأت إسرائيل تسمح في أعقاب التهدئة بدخول جزئي للبضائع إلى القطاع، لكن دخول المواد والأدوات اللازمة لمرافق المياه والصرف الصحي ظلت ممنوعة. بدأت إسرائيل في آب 2021 بإتاحة دخول بعض المواد التي كانت عالقة في مستودعاتها ووافقت على تلقي الطلبات لتنسيق دخول المعدات اللازمة لإصلاح الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنى التحتية المدنية جراء القصف. تستمر إسرائيل مع ذلك بتأخير دخول آلاف الأغراض اللازمة للصيانة اليومية للأنظمة وتعرض استمرار عملها للخطر.

وفقًا لمعلومات وصلت “چيشاه – مسلك”، وبحسب تقارير مختلفة، فإن حوالي 500 من مرافق البنية التحتية المدنية تعاني من نقص في آلاف قطع الغيار ومعدات أخرى، بما في ذلك الصمامات، والمرشِّحات، والمضخات، والأنابيب، والمعدات الكهروميكانيكية، والكوابل الكهربائية، وقطع الغيار لسيارات الخدمة والأدوات والأغراض لنظم الحاسوب والضبط وجمع البيانات والتشغيل. تحدث الأعطال نفسها مرارًا وتكرارًا في مرافق تحلية المياه ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، وذلك بسبب تصليح الأعطال بمواد وطرق مرتجلة وغير ملائمة.

بسبب النقص الحاد في المواد لم يتمكن عمال سلطة المياه في القطاع من إصلاح جميع الأضرار التي لحقت بمرافق المياه والصرف الصحي جراء العدوان على القطاع في أيار 2021. الأضرار المباشرة والغير مباشرة للأنابيب وخزانات المياه والآبار ومحطات الضخ وغيرها الناجمة عن القصف خلال الحرب تستمر بالظهور.

يملؤون الماء من الحنفية العامة. تصوير: أمجد الفيومى
يملؤون الماء من الحنفية العامة. تصوير: أمجد الفيومى

لهذا الوضع تداعيات جانبية مقلقة تؤثر على الحياة في القطاع التي ازدادت تدهورًا بسبب الأضرار التي خلفها العدوان. تسرب المياه من الأنابيب أشد من المعتاد، ولا يتم تصريف مياه الأمطار كما يجب وخطر الفيضانات في ازدياد، خاصة في موسم الأمطار الحالي. كما تأثرت جودة وكمية مياه الشرب التي يتم توفيرها للسكان، ومياه الصرف الصحي التي يتم معالجتها جزئياً فقط تُصرف إلى البحر – وهو وضع صحي وبيئي خطير، خاصة لسكان القطاع. كل هذه الحقائق تشير الى ان الوضع الحالي للمياه في قطاع غزة هو وضع لا يطاق وغير قابل للاستدامة.

في انتظار الرد

آلاف المواد وقطع الغيار التي تم حظر دخولها تقريبًا بالكامل في الأشهر العشرة الماضية هي مواد تعرّفها إسرائيل على أنها “مزدوجة الاستخدام” – أي أنها تستخدم لحاجات مدنية واضحة، ولكن يمكن استخدامها، ايضا لأغراض عسكرية. كانت أنظمة المياه والصرف الصحي في قطاع غزة بوضع سيء حتى قبل أيار 2021 نتيجة التقييدات التي تفرضها إسرائيل لسنوات على دخول البضائع التي تعتبرها “مزدوجة الاستخدام”، مما يحبط باستمرار الجهود لتحسينها وصيانتها.

أفاد ماهر نجار، نائب مدير مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة (Coastal Municipalities Water Authority – CMWU)، لـ”چيشاه – مسلك” أنه قبل العدوان في أيار كانت مدة الانتظار تتراوح من أسبوع وحتى شهر للحصول على موافقة إسرائيل لدخول المواد الضرورية جدًا للصيانة الدائمة أو لإصلاح الأعطال، بينما تمتد فترة الانتظار منذ أيار 2021 لأشهر عديدة. بعض الطلبات لم تتلق أي رد من السلطات الإسرائيلية، حتى الطلبات التي قدِّمت قبل العدوان. المواد الناقصة ضرورية أيضًا لنظم الحوسبة المستخدمة لتشغيل مرافق التحلية، ومرافق معالجة مياه الصرف الصحي، وخزانات المياه، وعدة آبار، بالإضافة إلى النظام الرقمي الضروري للمكتب الرئيسي لمصلحة مياه بلديات الساحل.

علاوة على ذلك، فإن طلبات عديدة لدخول المعدات الأساسية التي قدمتها سلطة المياه (Palestinian Water Authority – PWA) إلى اسرائيل منذ أكثر من ثلاثة أشهر لا تزال عالقة. بحسب نجار، إسرائيل طلبت رفع الطلبات مجددًا إلى برنامج آخر اسمه “يوفال”، ولكن، وحتى بعد رفع الطلبات للبرنامج، لم ترد السلطات الإسرائيلية عليها.

بالإضافة إلى التأخيرات في الرد التي لا يمكن تبريرها، فإن الحظر الذي تفرضه إسرائيل على دخول الأنابيب الحديدية التي يزيد قطرها على 1.5 انش منذ حزيران 2020، يعطل عمل شبكات المياه والصرف الصحي بشكل كبير-كون هذه الأنابيب ضرورية في المرافق ذات ضغط ضخ مرتفع.

فقط ربع الأسر لديها إمكانية الحصول على مياه ذات جودة مناسبة للاستخدام االمنزلي. تصوير: أمجد الفيومى
فقط ربع الأسر لديها إمكانية الحصول على مياه ذات جودة مناسبة للاستخدام االمنزلي. تصوير: أمجد الفيومى

تدهور حتى الهدم

الاستهلاك اليومي للمياه لكل شخص في غزة يصل اليوم إلى 80 لترًا، هذه الكمية لا تصل حتى للكمية الأدنى التي توصي عليها منظمة الصحة العالمية (100 لتر يومي لكل شخص). يؤدي النقص المستمر في المواد الخام وقطع الغيار إلى استمرار الحالة الهشة للأنظمة وخطوط الإمداد، مما يؤثر أيضًا على كمية المياه المتاحة للسكان (للمزيد من المعلومات انظروا ادناه). 20٪ فقط من مياه الصنبور (الحنفية) في القطاع صالحة للشرب، وفقط لـ 25٪ من العائلات في القطاع تتوفر إمكانية الحصول على مياه مناسبة للاستخدام المنزلي. يهدد العمل الجزئي لمرافق التحلية وتنقية المياه الجوفية كميات مياه الشرب المتوفرة في القطاع، وجودتها خاصة.

لسياسية إسرائيل وتصرفها عواقب وخيمة. إذ مُنِع انهيار محطة تحلية المياه ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي المركزية في غزة مؤخرًا فقط بعد تدخل عاجل من قبل جهات دولية. على سبيل المثال، أتيح إدخال حوالي 100 قطعة غيار للمعدات الكهروميكانيكية والصمامات إلى مرفق علاج مياه الصرف الصحي الجديد في البريج (الذي يعتمد عليه حوالي 800 ألف شخص) نتيجة الضغط المتزايد من ممثلين من ألمانيا استثمروا 100 مليون دولار في بنائه، وبفضل مدير المرفق الذي هدد بإغلاقه بالكامل. أدى النقص في المعدات إلى انخفاض إنتاج المرفق بالنصف (35 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً بدلاً من 60 ألف متر مكعب)، ما أدى إلى زيادة تصريف المياه المعالجة جزئياً إلى البحر. من الواضح أنه من غير الممكن ممارسة الضغط من أجل دخول كل قطعة من آلاف المواد اللازمة لصيانة الأنظمة.

وصلت لـ”چيشاه – مسلك” قائمة طويلة أعدتها CMWU لكافة الطلبات التي قُدمت لدخول المعدات ومدة المماطلة الإسرائيلية بالرد عليها. النقص المتواصل في المعدات يضر، من بين أمور أخرى، بأعمال الصيانة للحد من خطر فيضان الأمطار ومياه الصرف الصحي، هذا جزء من مشروع ممول من قبل مؤسسة دولية ويؤثر على 500 ألف شخص. في نفس المشروع، الطلب الذي تقدمت به سلطة المياه الفلسطينية لتنسيق دخول مضخة تعمل بالديزل وصمامات تهوية وأسطح فولاذية غير قابلة للصدأ ما زال ينتظر استجابة من السلطات الإسرائيلية منذ 150 يومًا. أيضًا، هناك تأخير لأكثر من 365 يوم في استجابة إسرائيل لطلب قدمته سلطة المياه الفلسطينية لإدخال مضخة كهربائية إلى بئر في وادي غزة، يمنع التأخير وصول المياه لحوالي 5,000 شخص. رفضت إسرائيل أيضًا دخول قطع غيار لمعدات ضخ مياه البحر اللازمة لمرفق تحلية المياه في دير البلح، حدوث عطل في المضخات الموجودة فيه الآن سيؤثر على إنتاج المرفق، مما سيضر بتزويد 100 ألف من السكان بالمياه. بالإضافة إلى ذلك، لم يتلقَّ مقاولون يعملون مع منظمات إغاثة أخرى ردًا على طلبهاتم منذ أكثر من 60 يوم لتنسيق دخول ألواح شمسية وكوابل وعاكسات شمسية لإنتاج الطاقة في ست مرافق تتضمن آبار ومحطات ضخ مياه الصرف الصحي، عليها يعتمد 400 ألف من السكان.

للتأخيرات الشديدة في إدخال المعدات وعدم اليقين المستمر في معالجة الطلبات تأثيرات مالية. يقول نجار أن المدفوعات المتراكمة لتخزين البضائع المستوردة (التي لا تسمح إسرائيل بدخولها إلى غزة) قد تسببت في زيادة بنسبة 30٪ في الأسعار التي يقدمها المقاولون في مناقصات مصلحة مياه بلديات الساحل. يهدر المقاولون وموظفو مصلحة المياه وقتًا ثمينًا أمام السلطات الإسرائيلية في استفسارات لا نهاية لها حول وضع الطلبات.

محطة تحلية في دير البلح. تصوير: أمجد الفيومى
محطة تحلية في دير البلح. تصوير: أمجد الفيومى


ورقة للمساومة السياسية

قال وزير الأمن الإسرائيلي بني غانتس، بعد العدوان في أيار، إن إسرائيل ملتزمة بتزويد قطاع غزة بـ “مساعدة إنسانية أساسية”، وقال في الوقت نفسه أن إسرائيل تشترط ترميم القطاع بإعادة المواطِنَين الإسرائيليين وجثث الجنديين التي يقال على أنها باحتجاز حماس. قدم وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد في أيلول الماضي مبادرة من مرحلتين لإعادة إعمار قطاع غزة: المرحلة الأولى هي “تأهيل إنساني” تتيح إسرائيل في إطاره “بمعالجة الضروريات الأساسية”، بما في ذلك إصلاحات شبكة الكهرباء وبناء مرفق تحلية مقابل التزام حماس بهدنة طويلة الأمد. لكن في الواقع، ومن خلال مماطلة إسرائيل منذ أيار 2021 في دخول المعدات الأساسية لعمل مرافق المياه والصرف الصحي اليومي، فهي لا تحرم سكان غزة من احتياجاتهم الإنسانية الأساسية فحسب، بل وتستغلها كشروط للمساومة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب حياة سكان القطاع وحقوقهم.

هذا الوضع غير معقول بتاتًا. إتاحة خدمات المياه والصرف الصحي هي حاجة إنسانية ضرورية وحق أساسي. للسيطرة الإسرائيلية على المعابر آثار بعيدة المدى على الظروف المعيشية في قطاع غزة، وهي مصحوبة بالتزامات أخلاقية وقانونية لحماية حقوق سكان غزة وضمان حصولهم على كل ما هو ضروري لممارسة وعيش حياة طبيعية. يتفاقم واجب إسرائيل هذا بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية بعد القصف الإسرائيلي على قطاع غزة في أيار 2021. رغم كل هذا، وبدلاً من تحمّل المسؤولية تجاه مليونين من السكان، نصفهم من الأطفال، يعيشون تحت احتلالها، تستغل إسرائيل سيطرتها على المعابر وتعيق، بشكل متعمد، حتى الصيانة الأساسية لشبكات المياه والصرف الصحي في القطاع.

هذه السياسات والتصرفات المجحفة مرفوضة وغير قانونية ويجب ايقافها.

***

تصل المياه إلى المنازل كل يومين أو ثلاثة أيام فقط. تصوير: أمجد الفيومي
تصل المياه إلى المنازل كل يومين أو ثلاثة أيام فقط. تصوير: أمجد الفيومي


امداد المياه في قطاع غزة – الوضع القائم:

يبلغ إجمالي كمية المياه المخصصة للاستخدام المنزلي والمتوفرة في قطاع غزة اليوم ما يقارب 110 مليون متر مكعب، أي 85٪ من حاجة السكان، وهي تتوفر من ثلاثة مصادر:

1. يتم ضخ 85 متراً مكعباً من المياه من حوالي 300 بئر من المياه الجوفية الساحلية، وهي مصدر المياه الطبيعي الوحيد في القطاع. المياه الجوفية غير مخصصة للشرب إطلاقاً ويجب تنقيتها.

2. ثلاث محطات لتحلية مياه البحر، محصلة انتاجها 8 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، وتخدم اليوم حوالي 300 ألف شخص في شمال ووسط وجنوب القطاع.

3. يتم شراء حوالي 15 مليون متر مكعب من المياه من شركة “مكوروت” الإسرائيلية.

بحسب معطيات CMWU، فقط 20٪ من محصلة انتاج هذه المصادر الثلاثة في القطاع ذات جودة تستوفي المعايير الدولية وملائمة للاستخدام المنزلي.

لا تصل المياه في الأنابيب إلى المنازل بشكل منتظم، بل كل يومين أو ثلاثة أيام، ويعتمد الكثير من السكان على شراء المياه من شركات تنقية خاصة تتجول في الأحياء مع خزانات مياه كبيرة.

هناك أيضًا من يعتمد على محطات تحلية صغيرة أقامتها منظمات الإغاثة، كمؤسسة أوكسفام ويونيسف، هذه المحطات موجودة في مناطق معينة في القطاع ولا تنجح بتلبية حاجة من يعتمد عليها. حوالي 100 مرفق من مرافق تحلية المياه الصغيرة في قطاع غزة توفر المياه لنحو 180 ألف شخص، معظمهم من السكان الأكثر فقراً ممن لا يستطيعون شراء المياه المستوردة في عبوات أو المياه التي تمت تحليتها في مرافق خاصة. يقول السكان أن المياه في غزة غير صالحة للشرب بسبب ارتفاع مستوى ملوحتها.