ما وراء الأحداث: تحليل للوضع في قطاع غزة

بمحاذاة السياج العازل، السادس من نيسان، 2018.

بمحاذاة السياج العازل، السادس من نيسان، 2018.

12 نيسان 2018.  ترددت في العالم بأسره أصداء إطلاق النار الحي من طرف الجيش الإسرائيلي والتي تسببت في حالات قتل متظاهرين فلسطينيين خلال الأسبوعين الماضيين. وتقوم جهات سياسيّة إسرائيليّة بتوظيف ما يحدث باعتباره تهديدًا عينيًا بادرت إليه حكومة حماس على الحدود السياديّة لدولة إسرائيل. بهذا الادّعاء، فإن الجهات الإسرائيلية تقوم بنفي السّياق الأوسع طويل الأمد، الذي تعمل إسرائيل وفقه بكل ما يتعلق بسكان قطاع غزة: وهو منظومة سيطرة عمرها خمسين عامًا، والتي بلغت أشدّها عند فرض الإغلاق الإسرائيلي المشدد والمستمر منذ أكثر من عقد من الزمن. إن الاحتجاجات الفلسطينية الحاليّة غير منفصلة عن هذا السّياق، كما أنها غير منفصلة عن القضية بجميع مركّباتها، وبهذا فإن حل هذا النزاع لن يتم تحقيقه بوسائل عسكريّة.

من دون أيّة علاقة للأمر بهويّة المحتجين، أو الجهات التي تقوم بتنظيمهم، أو المواضيع التي يسعى المحتجون إلى طرحها، فإن القانون الدولي يحظر استخدام القوة الفتاكة ضد المدنيين إلا في حال احتاج الأمر لمنع المس بحياة أشخاص – وحتى في هذه الحالة، فإن القوة المميتة ينبغي استخدامها باعتبارها الوسيلة الأخيرة، كما ينبغي استخدامها وفقًا للمقدار المطلوب لإزالة الخطر العيني فحسب. إن المشاركة في مظاهرة احتجاجيّة، حتى لو لم تكن هذه المظاهرة “احتجاجًا صامتًا”، وحتى لو شملت أعمال شغب أو أعمال إخلال بالنظام العام، لا تشكّل لوحدها بالمطلق عملًا عدائيًا أو تهديدًا عينيًا لحياة الآخرين بحيث يستوجب الرد عليها بإطلاق النار. ما من شك بأن إزهاق الأرواح قريبًا من السياج العازل كان يمكن، بل وكان يجب، أن يتم تلافيه فيما لو عمل الجيش الإسرائيلي بحسب ما ينصّ القانون الدولي.

يعيش سكان قطاع غزّة منذ أكثر من عقد من الزمن في ظل تقييدات إسرائيلية شديدة التعسّف على حركة التنقّل، من ضمنها الإغلاق الإسرائيلي البحري، الجوّي والبرّي على قطاع غزة. إن واقع الحياة غير المحتمل لسكان القطاع قد تدهور أكثر فأكثر في أعقاب ثلاثة جولات تصعيديّة من العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتي تسببت في انهيار البنى التحتيّة وفي نقص خطير في الموارد الأساسيّة للسكان، كالتزويد المنتظم بالمياه، الكهرباء، وتنظيم مسألة الصرف الصحي.

إن إسرائيل، عند تعاملها مع سكان قطاع غزّة، تفرض منظومة تصاريح ترتكز بالأساس على المحظورات. فإسرائيل هي الجهة التي تقرر مَن وما يمكن أن يدخل غزّة، ومن وما يمكن أن يخرج منها، ومتى يحدث ذلك. وإسرائيل هي التي تقوم بالفصل بشكل معتمد بين طرفي الأراضي الفلسطينيّة، وذلك لعدة أسباب من ضمنها جعل قطاع غزّة كياناً منفصلاً. نتائج هذه المنظومة عديدة، ومن ضمنها انهيار اقتصاد غزة، وتشتت العائلات، وقصور الخدمات الصحيّة، وغياب إمكانيّات التطوّر. من الواضح بأن الانقسام الفلسطيني الداخلي والخطوات المتبادلة التي يفرضها كل طرف على الآخر أدى الى تفاقم حالة سكان غزّة، كما أن الإغلاق المتواصل لمعبر رفح باتجاه مصر يفاقم الإغلاق الإسرائيلي المفروض على القطاع. إن سكان غزة يعيشون على بقعة من الأرض تتهاوى منذ زمن على حافة الأزمة الإنسانيّة، وهم عالقون في واقع بلا أفق. إن واحدًا من أهداف هذه الاحتجاجات هو أن يراهم العالم، وأن يطالبوا بحل لأزمتهم.

لا يمكن للحل الشامل أن يأتي إلا عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. ورغم ذلك، فما من أي مبرر اليوم أيضًا لوجود منظومة تصاريح إسرائيلية خانقة، أو حتى تقييدات شاملة وتعسّفيّة. إن سكان غزّة، وهم في معظمهم من الفئات العمريّة الشابة، مثقفون، طموحون، ولديهم إمكانيات التقدّم. إن محاولة إسرائيل بتوصيف جميع سكان غزّة باعتبارهم إرهابيين هو عمل تحريضي فظيع، يسعى إلى التغطية على الممارسات الإسرائيلية الفاشلة، التي لا يكمن خلفها تفكير بعيد المدى.

إن تدهور الأوضاع في قطاع غزّة هو تدهور حثيث، وهو نتاج لسياسة معتمدة. والفجوة بين حاجات السكان المدنيين الفلسطينيين وبين الموارد المتوفرة أمامهم آخذه بالتوسّع، ورغم أنه هنالك ما يمكن فعله من أجل إصلاح الأوضاع، فلم يتم تحريك ساكناً.

  • في أعقاب التدمير الهائل الذي تسببت به العمليات العسكرية في صيف 2014 والتجنّد الدولي لإعادة إعمار قطاع غزة، فقد أعلنت إسرائيل عن تسهيلات بسيطة وعينيّة في منظومة التصاريح، وقد طرأ بالفعل ارتفاعًا في عدد حالات خروج الفلسطينيين من قطاع غزة عبر معبر إيرز على مدار العامين الذين تليا العملية العسكرية، وذلك من دون تغيير جذري في معايير التصاريح الإسرائيلية المقتصرة على الحالات الإنسانيّة المستعجلة، رجال الأعمال والتجار المسموح لهم بالخروج، الزيارات العائليّة لأبناء العائلة من الدرجة الأولى (على غرار المشاركة في جنازة أو في حفل زفاف أو في زيارة مريض في حالة طارئة). ومع هذا، فإن عدد حالات الخروج عبر إيرز قد تقلص إلى النصّف خلال العام 2017. كما أن معدلات الاستجابة الإسرائيليّة لطلبات المرضى الذين تقدّموا بطلبات من أجل الخضوع لعلاج – منقذ للحياة وغير متوفر في قطاع غزة – قد انخفضت بشكل حاد من 93 في المئة في العام 2012 إلى 54 في المئة فقط في العام 2017. وعدد حملة تصاريح التجار سارية المفعول قد انخفض هو الآخر بنسبة 85 بالمئة بين نهاية العام 2015 وكانون أول 2017.

 

  • حالة البنى التحتيّة في قطاع غزة بائسة. الإهمال على مدار عشرات السنوات لهذه البنى التحتيّة قد أدى إلى تخلّفها بشكل كبير عن تلبية الاحتياجات. فكميّة الكهرباء التي يتم شراؤها من إسرائيل لم تتغيّر، ومحطة توليد الطاقة هناك تعمل على وقود غالي الثمن ويتسبب في التلوّث، ويعتبر تسديد ثمنه عقدة خلافيّة بين الفصائل الفلسطينيّة، أما خطوط الكهرباء الآتية من مصر فهي تزوّد القطاع بكميّة قليلة، إلى جانب أن التيار الكهربائي الآتي من مصر غير ثابت، وفي المجمل، حتى حين تكون جميع مصادر الكهرباء تعمل على أفضل وجه، فإن سكان غزّة في هذه الحالة سيحصلون على كميّة تبلغ نصف احتياجهم من الكهرباء. أما مياه الشرب في الصنابير فهي غير صالحة للشرب. كما أن هنالك حوالي مليون لتر من مياه الصرف تصبّ في البحر يوميًا دون معالجة وتنقية. في ظل هذه الظروف لا تزال إسرائيل تخلق صعوبات جمّة أمام الجهات المسؤولة عن عمليّة إدخال المواد الخام والتجهيزات، والرافعات والمولدات الكهربائيّة الضروريّة التي انتظرت الموافقة الإسرائيليّة على إدخالها على مدار سنوات.

 

  • في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية “الجرف الصّامد” قامت إسرائيل بإلغاء الحظر الشامل الذي فرضته على تسويق البضائع المنتجة في قطاع غزّة في باقي الأراضي الفلسطينيّة، أي الضفّة الغربيّة، وفي إسرائيل أيضًا. إلا أن إسرائيل تصرّ أيضًا على اختيار أيّة بضائع يتم تسويقها خارج غزة، وفي أكثر من حالة تقوم أيضًا بتحديد كمياتها، ومواعيد ووجهات تصديرها. إن معدلات البطالة في غزّة لا زالت تفوق نسبة 40 في المئة، وفي أوساط الفئة الشابّة قد بلغت نحو 60 في المئة. من دون السماح للفئات الشابّة بالعمل خارج القطاع، ومن دون السماح للاقتصاد في غزّة بالنمو وتحقيق الإمكانيّات التي أثبت الاقتصاد في غزة قدرته على الوصول إليها، تُبقي إسرائيل سكان قطاع غزة في حالة من صراع على البقاء، وهي حالة تجعل من السكان هناك مُعتمدين بالأساس على المساعدات الإنسانيّة لكي يتمكنوا من البقاء ضمن الحد الأدنى.

لقراءة التقرير بالعربية يرجى الضغط هنا