ساعة سفر تستغرق 12 سنة

عائلة تغادر غزة. تصوير “ﭼيشاه – مسلك”.

10 كانون أول 2017. لمناسبة  اليوم العالمي لحقوق الانسان، الذي يصادف اليوم، نعرض أمامكم قصة احدى المتوجهات لجمعية “ﭼيشاه – مسلك”. قصة شخصية لكنها تدل على الواقع اليومي لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية.

سمر هي سيدة فلسطينية، ولدت وترعرعت في قطاع غزة، وهناك تعيش عائلتها حتى يومنا هذا. في عام 2001، قبل أن تطبق إسرائيل خطة “فك الارتباط أحادية الجانب” عن قطاع غزة وقبل أن تشدد الإغلاق عليه، تزوجت سمر من أحد سكان الضفة الغربية وانتقلت للعيش معه. وعلى الرغم من انتقالها للعيش في الشطر الثاني من الأراضي الفلسطينية، ورغم أنها قدمت طلب لتغيير عنوان إقامتها في الوثائق الرسمية، لا زال عنوانها مسجل “غزة”. وذلك بسبب قرار إسرائيلي اتخذ عام 2000 “بتجميد” المصادقات على تغيير عناوين الإقامة في سجل السكان المدني الفلسطيني، الخاضع للسيطرة الإسرائيلية. لهذا السبب، تعتبر إقامة سمر في الضفة الغربية كإقامة غير قانونية من وجهة نظر إسرائيل، ونتيجة لذلك، يمنع منها تقديم طلبات للحصول على تصريح للتنقل من السلطات الإسرائيلية، وعمليًا بقيت عالقة في الضفة الغربية، وحتى هناك كانت حركتها مقيدة.

وفقط بعد عشرة أعوام، وكجزء من “بادرة حسن نية” إسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية، تمت المصادقة على طلب سمر بتغيير عنوان إقامتها، وتم بالفعل تغيير عنوانها إلى الضفة الغربية، وتمكنت للمرة الأولى أن تحلم بزيارة عائلتها في قطاع غزة. الطلبات من هذا النوع للحصول على تصريح للتنقل يتم معالجتها فقط في حالات معينة، التي تعتبرها إسرائيل “حالات إنسانية”: زواج أو وفاة قريب من الدرجة الأولى، أو زيارة قريب عائلة يعاني من حالة مرضية خطيرة جدًا.

في العام 2012، توجهت سمر إلى جمعية “ﭼيشاه – مسلك” بطلب مساعدتها للوصول إلى غزة، وذلك في أعقاب دخول أبيها إلى المستشفى. وقد رفضت إسرائيل طلبها بادعاء أن الحديث ليس عن “رقود في المستشفى لفترة طويلة” وأنه “ليس هنالك حاجة إنسانية بحتة”. في العام 2013، غادرت سمر وأبنائها الثلاثة الضفة الغربية في رحلة طويلة ومليئة بالتحديات عن طريق الأردن ومصر، نجت في نهايتها بالدخول إلى قطاع غزة عبر معبر رفح. كانت تلك المرة الأولى التي ترى بها عائلتها بعد مضي 12 سنة، والمرة الأولى التي يلتقي أبنائها معهم. وقد تمكنوا من الخروج من معبر رفح للعودة إلى بيتهم في الأيام الأخيرة التي كان يفتح بها المعبر بشكل منتظم، قبل تغيير النظام في مصر. منذ ذلك الحين، يبقى معبر رفح مغلقًا غالبية أيام السنة.

خلال السنوات، قدمت سمر طلبات للحصول على تصريح لزيارة عائلتها في قطاع غزة مرة أخرى، وانتظرت بفارغ الصبر الحصول على رد من السلطات الإسرائيلية، لكنه لم يأت. وفقط في بداية العام 2017، عندما مرضت أمها، وجدت سمر أنها ضمن المعايير الصارمة التي تفرضها إسرائيل للحصول على تصريح للدخول إلى القطاع. بمساعدة جمعية “ﭼيشاه – مسلك” تمت المصادقة على طلبها وتم منحها اسبوع لزيارة مسقط رأسها، هذه المرة عبر معبر ايرز.

أمنية زعبي، مركزة توجهات الجمهور في “ﭼيشاه – مسلك” لا زالت تذكر المكالمة الهاتفية التي تلقتها من سمر عندما نجحت وأخيرًا بالدخول إلى غزة، وصوت أمها المخنوق والمنفعل، والتي قدمت شكرها العميق على المساعدة بإحضار ابنتها الغالية إليها. وقد وصفت سمر زيارة أمها التي استمرت لمدة اسبوع على أنها “ليست أقل من معجزة”.

بعد مضي ستة أشهر، توجهت إلينا سمر مجددًا وطلبت مساعدتنا بالحصول على فرصة إضافية لرؤية والدتها، بعد أن تدهورت حالتها الصحية. وبعد أن صادقت إسرائيل على طلبها للحصول على تصريح، ووصلت إلى قطاع غزة، كانت الأم قد فقدت وعيها، وتوفيت بعد ذلك بعدة أيام.

“من غير المعقول حسب رأيي أن أم وابنتها اللتان تعيشان على بعد ساعة سفر الواحدة عن الأخرى، لا يمكن أن يحلمن بلقاء بعضهما إلا في حالات مأساوية إلى هذا الحد”، تقول أمنية. “من الأسهل الوصول إلى الطرف الاخر من العالم على الوصول إلى الجزء الثاني من الأرض الفلسطينية”. في السنوات التي سبقت تغيير مكان إقامتها، أضاعت سمر فرصة حضور حفل زفاف أخيها. مؤخرًا قالت لأمنية، “لم أصدق عندما حصلت أخيرا على تصريح للدخول إلى غزة في بداية السنة. شعرت أن هذه الزيارة هي أفضل هدية ممكنة للسنة الجديدة. أفضل ما حصل معي في العام 2017، هو أنني استطعت لقاء أمي. وأصعب شيء، هو أنني فقدتها”.

بالنسبة للفلسطينيين، سكان قطاع غزة والضفة الغربية، الحق في حرية التنقل، وما يترتب عليها من الإمكانية لحياة عائلية طبيعية، الوصول إلى المؤسسات التعليمية، مصادر الرزق والتحقيق الذاتي، ليست مفهومة ضمنًا. في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، كما في سائر الأيام، هنالك قرارات سياسية يتخذها كافة اللاعبين السياسيين في المنطقة، التي تنتهك حقوق الإنسان الخاصة بسكان القطاع. أهمها، السياسة الإسرائيلية الأكثر ايذاءً، والتي تؤثر بشكل كبير على حياة الفلسطينيين اليومية. السيطرة التي تأخذها إسرائيل لنفسها على جوانب كثيرة من حياة الفلسطينيين تلزمها بأن تأخذ بالحسبان وأن تستجيب لاحتياجاتهم وحقوقهم.