بانتظار موسم التوت

دفيئات توت في قطاع غزة. تصوير: “جيشاه-مسلك”

10 تشرين أول 2017: في تشرين أول من العام 2014، وفي ظل الدمار الذي خلفته العملية العسكرية الاسرائيلية “الجرف الصامد”، وللمرة الأولى منذ فرض الإغلاق على غزّة في حزيران من العام 2007، سمحت إسرائيل بتسويق محدود للمنتجات الزراعية من غزة في الضفة الغربية.  من ضمن المحاصيل الزراعية التي سُمح بتسويقها هو التوت الأرضي.نجاح التسويق الزراعي يؤدي إلى تنشيط عجلة الاقتصاد: يخلق فرص عمل، يضخ أموال للمنظومة، يطور ويبني شبكة من العلاقات التجارية- وهو يعود بالفائدة على كل من غزّة، الضفة وإسرائيل (حين يتم السماح بذلك). وبما أن اقتصاد كل من إسرائيل وفلسطين متداخلان ببعضهما البعض، فإن تعزيز علاقات العمل والتجارة مجدي لكلا الطرفين.

بالإضافة إلى الموافقة المبدئية من قبل إسرائيل بخصوص تسويق التوت من غزّة إلى الضفة، يحتاج الشروع الفعليً بالتصدير إلى تصريح من وزارة الزراعة الإسرائيلية كل سنة من جديد. في موسم التوت من شتاء عام 2015-2016، بداية رفضت السلطات الإسرائيلية السماح بتسويق التوت الأرضي في الضفة لسبب غير معروف. فقط في كانون ثاني من عام 2016، عندما كان موسم التوت الأرضي قد تجاوز ذروته، وبعد الرسائل التي أرسلتها جمعية “چيشاه – مسلك” إلى وزارة الزراعة الإسرائيلية وإلى منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق، تم تجديد السماح بتسويق التوت. لقد تسبب هذا التأخير بخسائر فادحة في أوساط المزارعين في غزة. على الرغم من ذلك، في العام الماضي،  بدأ تسويق التوت الى الضفة منذ بداية شهر كانون أول، الأمر الذي أدى الى مضاعفة الكميات التي تم تسويقها إلى ثمانية أضعاف (من 94 طن في العام الفائت إلى 750 طن). هذا العام أيضا لم يعلن  عن  موعد بداية التسويق، مما خلق انعدام يقين في أوساط المزارعين والتجار، الذين استثمروا أموالا كثيرة ومئات الساعات من العمل،  على الرغم من عدم وجود ما يضمن أنهم سيتمكنون من بيع بضاعتهم في الموسم القريب.
إن قرار وزارة المواصلات، بفرض تقييدات على حركة الشاحنات من وإلى معبر كرم أبو سالم في ساعات معينة من النهار، وهو قرار قد يدخل حيز التنفيذ في شهر تشرين ثاني المقبل، قد يؤثر هو أيضا على مدى ومستوى تسويق التوت الأرضي في الموسم الآخذ  بالاقتراب.

على ضوء اتساع ونجاح تسويق التوت الأرضي خلال العام الماضي، قال رئيس مجلس ادارة جمعية غزة التعاونية  لإنتاج وتسويق الخضار والفواكه-أحمد الشافعي – قرر المزارعون في غزّة هذا العام زراعة مساحات أكبر من التوت (900 دونم مقابل 530 دونم في الموسم الماضي)، وذلك على أمل أن تسمح إسرائيل بتسويق التوت إلى كل من الضفة والخارج. ومن ضمن حقول التوت، تمت، زراعة  15 دونما بالتوت الأرضي المعلق في دفيئات زراعية، التي أقيمت في العام الماضي بدعم من مؤسسة الـ USAID. إن طريقة الزراعة المعلقة تنتج كمية أكبر من المحاصيل من كل دونم (ما بين 10 إلى 8 أطنان، مقابل ثلاثة، بالطريقة التقليدية). بهذا المفهوم، فإن هذه الطريقة تشكل حلا حيويًا، لتناقص الأراضي الزراعية في القطاع. ليس فقط الازدحام السكاني والحاجة إلى بناء مساكن  تؤدي إلى تناقص الأراضي الزراعية في القطاع، إنما ايضًا عمليات رش المبيدات التي تقوم إسرائيل بتنفيذها  بالقرب من  السياج العازل، والتي  تتطاير مع الريح وأدت مرات عديدة إلى إلحاق أضرار بالمحاصيل والأراضي الزراعية في قطاع غزة. من المتوقع أن يبدأ حصاد التوت هذا العام في نهاية شهر تشرين ثاني، والتجار يستعدون للشروع في تسويق المحصول خارج القطاع منذ بداية كانون أول.

وأضاف الشافعي، خلال الشهرين الماضيين، تم عقد اجتماعين بمشاركة ممثلين عن وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق، ومسؤول التنسيق الزراعي في معبر إيرز، ورؤساء الجمعيات التعاونية الزراعية في غزة، وخبراء آخرين في الاقتصاد من القطاع، إلى جانب ممثلين عن المجتمع الدبلوماسي. احدى النقاط التي طرحت كانت عن الحظر الذي تفرضه إسرائيل على تسويق التوت من غزّة إلى إسرائيل. وقد طالب رؤساء الجمعيات الزراعية في غزّة  السماح بتسويق التوت في إسرائيل  وذكّروا بأن قطاع غزّة يقوم بشراء بضائع من إسرائيل تبلغ قيمتها عشرات ملايين الشواكل، في حين أن إسرائيل تشتري من غزّة أنواعًا محدودة من المنتجات الزراعية وبكميات قليلة فحسب.

التقييدات المفروضة على تسويق منتجات غزّة تشكل تحديًا من ضمن تحديات كثيرة تعترض طريق مزارعي وتجار غزة، والناجمة عن السياسات الإسرائيلية. فكما هو الحال القطاعات الاقتصادية الأخرى في غزّة،  فإن عدم توفر تصاريح خروج من القطاع بيد التجار، هو أحد أهم المعيقات  أمام التجار ورؤساء الجمعيات الزراعية. لا يملك رؤساء الجمعيات الزراعية الأربع في غزّة الآن تصاريح خروج من القطاع وهم بحاجة إلى تلك التصاريح ليستطيعوا ادارة  أعمالهم: شراء معدات زراعية متقدمة ولوازم تعبئة وتغليف، التوقيع على عقود مع المشترين والتجار، متابعة عملية نقل البضائع، جباية الأموال وغيرها. هكذا، على سبيل المثال، ومن أجل تصدير التوت إلى أوروبا، على  التجار أو ممثلين من طرفهم أن يصلوا إلى وزارة المالية في رام الله لغرض استصدار شهادة تشير إلى أن منتجاتهم تتلاءم مع معايير الاتحاد الأوروبي. وفي حديث مع جمعية “چيشاه – مسلك”، قال غسان قاسم، أحد رؤساء الجمعيات الزراعية في غزة، أنه تم دعوة المسوقين الزراعيين الكبار للمشاركة في معرض زراعي سيقام في هولندا بتاريخ الرابع من تشرين أول القادم، إلا أن هؤلاء لم يتلقوا بعد تصاريح للخروج. إن المشاركة في هذا المعرض ضروري من أجل زيادة حجم البيع إلى دول الخارج، ولبناء علاقات مع التجار في أوروبا.

ولأزمة الكهرباء في قطاع غزة أيضًا تأثير على المزارعين وتزيد من المعيقات الماثلة أمامهم. ان ري المزروعات، بحاجة إلى وجود تيار ثابت ومنتظم في الساعات المناسبة. وللتعويض عن النقص في الكهرباء يضطر المزارعون إلى تشغيل المولدات الكهربائية، الأمر الذي يزيد من المصاريف. مؤخرًا، كانت هنالك بضعة مبادرات في أوساط المزارعين تهدف إلى استخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء، ويتم فحص إمكانية تمويل هذا المشروع من قبل صناديق دوليّة. وبالطبع فإن الانتقال إلى استخدام الطاقة الشمسية مرتبط بتجاوب الجانب الإسرائيلي، وهو الجانب الذي  يعرقل  تطوير هذا المجال ويقلل من جدوى الاستثمار فيه.

وأضاف قاسم بأن التقييدات التي تفرضها إسرائيل على دخول المبيدات والأسمدة تضر هي الأخرى بجودة التوت. وتسمح إسرائيل بدخول الأسمدة ذات التركيز المنخفض فقط إلى القطاع. عدم توفر الأسمدة والمبيدات الملائمة تقصر من إمكانية صمود التوت بعد قطفه وتقلل من إنتاج الحقول بنحو 25 في المئة. إن رؤساء الجمعيات الزراعية لا يزالون بانتظار رد السلطات الإسرائيلية على الرسالة التي طالبوا من خلالها بإدخال مبيدات وأسمدة، التي يُمنع إدخالها.

المدة الطويلة التي يستغرقها نقل البضائع، التي هي أيضًا نتيجة للسياسات الإسرائيلية على معبر كرم أبو سالم، تضر هي الأخرى بجودة التوت. فكما هو حال البضائع الأخرى التي يُسمح بتسويقها من القطاع، يتم إعاقة خروج شحنات التوت من المعبر وتضطر للانتظار لفترات طويلة تحت أشعة الشمس. هنالك تقارير تشير إلى أن المفاوضات، المستمرة منذ سنوات بخصوص إقامة مساحة مظللة على المعبر، ستؤدي اخيرًا  الى إقامة مساحة مظللة كهذه قريبًا. في ظل غياب إمكانية خروج الشاحنات من غزّة، فإن الشاحنات الإسرائيلية فقط يسمح لها بنقل البضائع من المعبر إلى داخل إسرائيل، بعد القيام بإنزالها عن الشاحنات الفلسطينية التي تنقلها إلى كرم أبو سالم. وبهذا، يخضع مسوقي غزة إلى أسعار النقل التي تحددها شركات نقل خارجية. إن كلفة نقل شاحنة محملة بالتوت من معبر كرم أبو سالم إلى الخليل أو طولكرم، بما يشمل كلفة ضرائب المعبر والتحميل، ستكلف التاجر ما بين 3,000 إلى 3,500 شيكل.

قرار إسرائيل بالسماح بتسويق البضائع الزراعية من غزّة الى الضفة حمل في طياته إمكانية تحسين الحالة الاقتصادية في القطاع، ولكن بالإمكان القيام بأكثر من ذلك بكثير. المنتجات الزراعية المسموح بتسويقها في إسرائيل، حرية التنقل للتجار الزراعيين من غزّة، ازالة  التقييدات على إدخال المواد الضرورية للزراعة، وتنجيع طرق العمل المرتبطة بإخراج  البضائع الزراعية من القطاع إلى الأسواق المختلفة، هذه كلها أمور لا ضرورية لتطور وازدهار الزراعة،  وتطور الاقتصاد في غزّة.  على إسرائيل أن تبلور سياسة واضحة، شفافة، ومنصفة، عبر التعاون مع المزارعين والتجار في غزّة، بهدف السماح لهم بتخطيط وتنسيق تسويق بضائعهم إلى خارج القطاع، ومن ضمن هذه البضائع التوت الغزي المعروف بجودته.