ضوء الشمس

13 أيلول، 2017. في وسط هذه المأساة التي لا تنتهي، والمتمثلة في وضع البنى التحتية وتزويد الكهرباء في قطاع غزة، تظهر، بين الفينة والأخرى، كبصيص أمل، امكانيات لاستخدام تقنيات بديلة، الطاقة الشمسية على وجه الخصوص، الهادفة إلى تزويد مليوني نسمة من سكان غزة بالكهرباء.

قام الباحثون في جمعية “چيشاه – مسلك” بفحص ما يتمّ القيام به عمليًا، لأجل استغلال هذه الإمكانية. ويتضح بأن بيع الالواح الشمسية في غزة تضاعف خلال عام واحد، وأيضًا، كما هو شأن باقي المجالات في غزة، فإن منظومة التصاريح التي تفرضها إسرائيل، تعيق وتمنع تطوره بالوتيرة المطلوبة.

إن أزمة الكهرباء، التي  تفاقمت في أعقاب قرار السلطة الفلسطينية بتقليص الدفعات المالية التي تقوم بتحويلها ثمنا للكهرباء المغذية إلى القطاع، وما تلا هذا القرار من خفض كمية الكهرباء الواردة من إسرائيل، قد دفع بالكثيرين إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة. الطاقة الشمسية  تعتبر بديلا ناجحا للمولدات الكهربائية التي تستخدم في غزة؛ حيث تعمل هذه المولدات على السولار باهظ الثمن والملوّث للجو، اضافة الى أن المولّدات  تتآكل  لكثرة استعمالها، وتصدر ضجيجا وتتسبب في الكثير من الحوادث.

مثال لقصة نجاح في استعمال الطاقة الشمسية هي شركة “مطوّرين” التكنلوجية. ريم العويطي وخليل سليم، صاحبا الشركة، يقومان بتشغيل 38 موظف/ة في الشركة لتطوير التطبيقات. بمساعدة تمويل جزئي من صندوق USAID استطاعا تركيب منظومة طاقة شمسية بكلفة تبلغ 12 ألف دولار في مكاتب الشركة. هذه المكاتب كانت في الأصل مخازن تم تحويلها فيما بعد إلى مكاتب، نتيجة للقصف الذي تعرض له المقر الأصلي للشركة، الذي أدى إلى  تدميره كليا، وذلك خلال  العملية العسكرية الإسرائيلية عام 2014. يقول سليم بأن شركته قد نجحت، بواسطة هذه المنظومة بالتغلب على مشكلة الكهرباء في قطاع غزة، وبالعمل بشكل مستمر بدون انقطاع لإنجاز المشاريع في وقتها المحدد. لقد فازت الشركة بعدة جوائز على أعمالها. وللأسف الشديد، لم يتمكن أيا من سليم أو العويطي من استصدار تصاريح للخروج من غزة لكي يستلما جوائزهما.

بدأت بعض منظمات المجتمع المدني والبنوك في القطاع بعرض قروض بفوائد مخفضة للمعنيين بتركيب منظومة طاقة شمسية منزلية، وقد أدت هذه الامكانية إلى ارتفاع حاد في الطلب عليها. منى العلمي، مديرة جمعية “فاتن”، التي  تعرض تمويلاً صغيرًا لأهداف اجتماعية في غزة، تقول بأن جمعيتها  تعرض قروضًا تصل إلى 50،000 دولار للمعنيين بتركيب منظومة طاقة شمسية على أسطحة المباني وتمويل يبلغ حتى 1،000 دولار لشراء منظومة أصغر لا تحتاج مساحة على السطح، للقاطنين في عمارات سكنية من عدة طوابق. إجمالا، برز ارتفاع حاد في استيراد الألواح الشمسية إلى غزة بنسبة 103 في المئة خلال الشهور السبعة الأولى من العام 2017، مقارنة بالفترة الموازية من العام 2016.

لا يمكن أن تشكل منظومات الطاقة الشمسية  الخاصة بديلا عن تزويد كهرباء ثابتة ومتطورة، وهي بنى تحتية تحتاجها غزة بشكل ملح وعاجل. ولكن هذه المنظومات قادرة على التخفيف، ولو بشكل جزئي، من الضائقة التي يعيشها الأفراد، المصالح  التجارية الصغيرة، والمؤسسات في القطاع بسبب غياب الكهرباء. كما بدأت بضعة جمعيات دولية بالدفع قدمًا بمشاريع من هذا النوع لتزويد كهرباء إلى المستشفيات، المدارس، الجامعات ومرافق خدمات البنى التحتية. بالإضافة، أطلقت شركة الكهرباء في القطاع مشروعًا تجريبيًا لربط ألف بيت بالطاقة الشمسية.

هذه التوجهات الإيجابية تواجه الكثير من العوائق. ومن خلال محادثات مع تجار متخصصون بتسويق منظومات الطاقة الشمسية في غزّة، اتضح بأن هنالك مشكلة أساسية تكمن في التقييدات التي تفرضها إسرائيل على إدخال البطاريات الخاصة بهذه المنظومات إلى غزّة. لا يوجد اشكالية  في إدخال الألواح الشمسية، ولكن إدخال البطاريات والمحوّلات  يستلزمان تنسيقًا خاصًا، وذلك لأن هذه المعدات تعتبر “ثنائية الاستخدام”، كما تمنع إسرائيل مطلقًا دخول بطاريات الليثيوم وهي بطاريات أكثر نجاعةً. وبناء عليه، فإن منظومات الطاقة الشمسية المتوفرة في غزّة تضطر لاستخدام البطاريات الجافة وحدها، والتي تعد ذات جودة أقل. فهذه البطاريات تظل صالحة للاستخدام لعام واحد فقط، بدلا من عشرة، بل وخمسة عشر عامًا، كما هو الحال في البطاريات الأكثر تقدمًا.

إن هذا التقييد يدفع الكثيرين إلى التردد قبل قيامهم بالاستثمار في شراء منظومات الطاقة الشمسية. وتقول العلمي بأن الطلبات للحصول على القروض التي تعرضها جمعيتها أقل مما هو متوقع، بسبب القلق من إعاقة دخول المنظومات من قبل الطرف الإسرائيلي. هنالك عائق إضافي  يتمثل في الحالة الاقتصادية الصعبة السائدة في قطاع غزّة، خصوصًا في ظل تقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، وإحالة الآلاف منهم إلى التقاعد المبكر. إن الأزمة الاقتصادية تدفع بالكثير من العائلات إلى التردد قبل التقدم بطلبات للحصول على قرض، حتى لو كانت هذه القروض تُمنح ضمن شروط مريحة.