خط التماس

8 تشرين ثاني 2017: ناهد الصفدي هو صاحب مصنع عريق للأنسجة في قطاع غزّة. عشية فرض الإغلاق الإسرائيلي على القطاع، عمل في مصنعه 120 عاملا، وَسوّق غالبية منتجاته في إسرائيل. وقد أدى الإغلاق إلى وقف نشاطه بشكل مفاجئ. وتدهور حال المصنع على مر السنوات، وفي العام 2014 انخفض عدد العاملين في مصنعه إلى 15 عاملاً فقط، يعملون بوظائف جزئية، حتى ثلاثة أيام في الأسبوع، بالأساس من أجل الحفاظ على الماكنات ومنع تلفها وتوقفها عن العمل. ورغم أن الصفدي قد شعر في بداية العام 2015 ببوادر الانتعاش في قطاع النسيج، إلا أنه لا يزال ينتظر، بعد عامين ونصف من ذلك الحين، أن تغير إسرائيل سياساتها، لكي يتمكن مصنعه من العودة إلى سابق عهده، أي أن يجلب أرباح وأن يوفر أماكن عمل.

لطالما كانت صناعة النسيج من أهم قطاعات الإنتاج في اقتصاد قطاع غزّة. ففي العام 2000 كان هذا القطاع الصناعي يشغّل 37 ألف عاملاً في نحو 900 مصنعًا وشركةً. لكن الإغلاق الإسرائيلي قد أدى إلى انهيار هذا القطاع بشكل كامل تقريبًا. فقد انخفض منسوب الإنتاج بنحو 85 بالمئة، وفي العام 2014 بلغ عدد العمال نحو 2,500 عاملاً فحسب.

بعد العملية العسكرية “الجرف الصامد” في صيف 2014، والدمار الفظيع الذي خلفته، برز أمل بتغيير التوجهات الإسرائيلية القائمة. ففي شهر تشرين أول من العام 2014 سمحت إسرائيل مجددا بتسويق منتجات النسيج من غزة إلى الضفة الغربية، وفي شهر آذار من العام 2015 سُمح أيضًا بتسويقها إلى إسرائيل. وقد بدأ هذا القطاع بإظهار بوادر انتعاش، وبلغ عدد العاملين فيه 5,000 عاملا، في 164 مخيطة، ومصنع، وشركة تسويق منتجات نسيج مسجلة اليوم في غزّة.

ويقول الصفدي أنه بعد السماح مجددًا بتسويق البضائع في إسرائيل، حصل على تصريح تاجر لمدة ثلاثة شهور، الذي أتاح له الخروج من غزة عبر معبر إيرز. وسارع باستغلال الفرصة، على أمل أن ينجح بتجديد عمله، وقد طرق أبواب شركات إسرائيليّة كان قد عمل معها في السابق، وزار زبائن محتملين. استعرض أمامهم منتجاته وخدماته، وبذل أقصى جهده في إنعاش علاقاته التجارية في كل من إسرائيل والضفة الغربية. “بالضبط حين بدأت ألمس ثمرة جهودي وإعادة مكانة الشركة في السوق، ومن دون سابق إنذار، لم ـتُجدد إسرائيل تصريحي بادعاء وجود منع أمني ضدي. منذ شهر كانون أول 2016 لم يعد بحوزتي تصريح، وفي كل مرة أتقدم فيها بطلب لاستصدار تصريح، أواجه برفض بادعاء وجود منع أمني ضدي، من دون أي تفاصيل أو توضيح إضافي. إن انعدام إمكانية الخروج من غزة من أجل إجراء لقاءات مع تجار في الضفة الغربية أو إسرائيل، يجعل مهمة عقد الصفقات معهم أصعب بكثير، ويصاعد من القلق لدى الزبائن بخصوص قدرتي على الإيفاء بالتزاماتي وتزويدهم بالبضائع في الوقت. وأضطر إلى القبول بأي عرض عمل حتى لو كان بأسعار منخفضة جدًا”.

هذا النوع من القصص، كما هو حال الصفدي، يتكرر كثيرًا في أوساط تجار غزة، ويجسد العائق الأساسي الذي يقف في وجه تأهيل هذا القطاع الصناعي. وبحسب المعطيات التي حصلت عليها الباحثة في “چيشاه – مسلك” من اتحاد صناعات النسيج في قطاع غزة، فقد بلغ عدد التجار العاملين في هذا المجال ممن حصلوا على تصريح خروج في العام 2015، 106 تجار. أما في العام 2016 فقد انخفض عددهم إلى 87، ومنذ بداية العام الجاري بلغ عدد حملة التصاريح، عشرين تاجرًا فقط. إن هذه الأرقام تشمل جميع التجار الذين حصلوا على تصريح خروج لأية فترة زمنية خلال العام. هذه التصاريح لا تكون بالضرورة سارية المفعول على مدار السنة بأسرها، وهي تبقى دائمًا عرضة لخطر عدم تجديدها. ويتضح من معطيات الاتحاد بأن تغيير السياسات في نهاية العام 2014 قد تسبب في بداية الانتعاش: فقد ارتفع عدد الشركات التي تقوم بالتسويق إلى الضفة الغربية وإسرائيل من 11 شركة في العام 2015 إلى 30 شركة في العام 2016، وإلى 44 شركة في العام 2017. ومن الواضح لجميع الخبراء أن الرقم بإمكانه أن يكون أعلى بكثير من الرقم المذكور لولا التقييدات الإسرائيلية المفروضة على حركة التجار.

وقد خرجت شحنة الملابس المباشرة الأولى من غزّة إلى إسرائيل بتاريخ 28 آب 2017. وحتى ذلك الحين كان التسويق إلى إسرائيل يتم بشكل غير مباشر عبر الضفة الغربية، وذلك بسبب مشاكل إصدار فواتير ضريبية. وخلال الشهور الماضية فقد قام أصحاب مصانع النسيج في غزّة بالتوصل إلى ترتيبات مع سلطات الضرائب في رام الله بحيث يُتاح لهم إمكانية التسويق المباشر. لقد رفعت طريقة التسويق غير المباشر من كلفة النقل العالية أصلاً. وأصّروا التجار على التسويق إلى إسرائيل رغم الأرباح الضئيلة نسبيًا. وهم الآن معنيون بتوسيع هذا التسويق ويحظون باهتمام بالغ من الزبائن في إسرائيل.

نبيل البواب هو صاحب شركة “يونيبال” للنسيج في غزّة. كانت شركته توظف حتى العام 2007 نحو 400 عامل وقامت بتسويق معظم بضائعها إلى إسرائيل. ومنذ فرض الإغلاق، تقلص نشاط المصنع بشكل كبير، وقد فتح البواب مصنعًا في مصر. ومع إعلان إسرائيل عن تجديد التسويق، قام مجددًا بتوسيع نشاطه في غزة، حيث يعمل في مصنعه اليوم 200 عاملا. ويقوم بتسويق بضائعه إلى متاجر وشبكات الأزياء في إسرائيل، ومن ضمنها (“ديسكرت” و”يوني درس”). أحد التحديات التي تواجهه اليوم، حسب ما يقول البواب، هو تحدي أزمة الكهرباء. فهو يضطر في كل يوم إلى صرف 700 شيكل على الأقل ثمنا للسولار لتشغيل المولد، وذلك للتغطية على النقص في تزويد الكهرباء عبر الشبكة. كما أن هنالك مشكلة إضافية وهي الظروف القائمة في معبر البضائع كرم أبو سالم، فالمعبر لا يزال غير مسقوفا ولا يوجد فيه مساحة مغطاة. وفي الأيام الماطرة، يضطر إلى تغليف بضائعه ضد الماء، الأمر الذ يزيد من تكاليف التسويق الباهظة أصلا.

يتضح من تقارير اتحاد الشركات العاملة في مجال النسيج في غزّة أن المبيعات في هذا القطاع قد ارتفعت من 1.48 مليون دولار في العام 2015 إلى 2.88 مليونا في العام 2016. وخلال الشهور الثمانية الأولى من العام 2017 بلغت أرباح المبيعات 5.56 مليون دولار. ومن ناحية كمية، فإن عدد المسطّحات الخشبية الحاملة للبضائع الخارجة من قطاع غزّة قد ارتفع من 250 مسطحا في العام 2015 إلى 487 في العام 2016. أما هذا العام، وحتى شهر آب منه، فقد تم تسويق 393 مسطح بضائع محمل بالقماش من غزّة إلى كل من الضفة وإسرائيل.

لقد طرأ تحسّن إذا، بفضل جهد كبير ومبادرة مصنّعي النسيج أنفسهم، ولكن مستوى التسويق لا يزال أقل بكثير من طاقته الإنتاجية الحقيقية. ففي بحث أجريناه عشية فتح إمكانية التسويق من غزة إلى كل من الضفة وإسرائيل، كان تجار النسيج في نهاية العام 2014 قد قدروا أنه وفي حالة رفع التقييدات الإسرائيلية، فسيكون بإمكانهم تسويق 30 شاحنة محملة بمنتوجات النسيج في الشهر الواحد. وعمليًا، ومنذ بدء العام، فقد بلغ المعدل الشهري لشاحنات النسيج التي يتم تسويقها إلى كل من الضفة وإسرائيل ثلاثة أو أربعة شاحنات فحسب. ويشير الصفدي إلى أن “الشركات في كل من إسرائيل والضفة راضية عن بضائعنا، وهي تعتمد علينا وتحب العمل معنا. إن ما نحن بحاجة إليه هو فقط أن نكون قادرين على الوصول للالتقاء بهم.”