أمرت وزارة الأمن الاسرائيلية قبل ثمانية شهور، في 13 تشرين الأول 2013، بوقف دخول مواد البناء إلى قطاع غزة. اتخذ القرار ردًا على كشف النفق المحفور من غزة والذي يمتد حتى كيبوتس “عين هشلوشاه”، على بعد نحو 8 كيلومتر من خان يونس. منذ ذلك الحين، ترفض إسرائيل السماح بدخول مواد البناء لصالح القطاع الخاص في غزة.

وفي وقت نادرًا ما تدخل فيه مواد البناء عبر الأنفاق، يعني هذا القرار القضاء على قطاع الإنشاءات والبناء في غزة الذي ساهم بـ 27.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في غزة ووفر فرص عمل لـنحو 70 ألف شخص، إما مباشرة أو من خلال الصناعات الداعمة للبناء. كان التدهور سريعًا، والقليلون فقط استطاعوا المحافظة على مكان عملهم؛ غالبيتهم من العاملين في مشاريع البناء التي تُموّلها وتديرها المؤسسات الدولية. ارتفع معدل البطالة في غزة من 27.9% في الربع الثاني من عام 2013 إلى 40.8% في الربع الأول عام 2014؛ في الوقت الحالي هناك 180200 عاطل عن العمل في قطاع غزة، والكثير منهم عمال بناء سابقين.

في حين أن إسرائيل تُقيّد بشدة دخول الحديد، الإسمنت والحصى، لكنها تتيح دخول مواد البناء المكمّلة: الشايش، القرميد، الكراميكا وما شابه. يُقارن هذا الرسم البياني، الذي يعتمد على تقارير UNSCO، بين كميات مواد البناء المُكمّلة التي دخلت القطاع في تشرين الأول 2013 (شاحنات) وبين كمية مواد البناء التي دخلت في آذار 2014. الانخفاض في الكميات يعكس الانخفاض الجدي في البناء في قطاع غزة.
في حين أن إسرائيل تُقيّد بشدة دخول الحديد، الإسمنت والحصى، لكنها تتيح دخول مواد البناء المكمّلة: الشايش، القرميد، الكراميكا وما شابه. يُقارن هذا الرسم البياني، الذي يعتمد على تقارير UNSCO، بين كميات مواد البناء المُكمّلة التي دخلت القطاع في تشرين الأول 2013 (شاحنات) وبين كمية مواد البناء التي دخلت في آذار 2014. الانخفاض في الكميات يعكس الانخفاض الجدي في البناء في قطاع غزة.

وكل ذلك من دون الحديث عن الحاجة الكبيرة لمواد البناء. على مر السنين، تراكمت في القطاع الحاجة لنحو 75 ألف وحدة سكنية، وقدّرت وزارة الإسكان في غزة أنه بسبب النمو السكاني الطبيعي، ترتفع كمية الوحدات المطلوبة بـ800-1000 وحدة سكن إضافية كل عام.

وأثرت سياسة منع دخول مواد البناء ليس فقط على القطاع الخاص في قطاع غزة، إنما أيضا على مؤسسات الإغاثة الدولية التي أصلًا كانت دائمًا تخضع لإجراءات معقدة من أجل الحصول على موافقة لشراء مواد البناء عن طريق إسرائيل، والتي شملت – بالإضافة إلى التقارير الدورية والأدلة البصرية لتنفيذ المشروع –  حراسة مواد البناء هذه. في الوقت الحالي، يمكن لعدد قليل من المؤسسات الدولية شراء مواد البناء من إسرائيل، وفقط لصالح عدد محدد من المشاريع التي صودق عليها مُسبقًا. أما باقي المشاريع فهي مجمّدة، ومعها أيضًا جُمّدت فرص العمل في غزة.

على الرغم من أن لهذا القرار أثر مدمر على حياة سكان غزة، وعلى الرغم من أن هناك شكوك حول الادّعاء أن النفق الواصل إلى “عين هشلوشاه” بُني بواسطة استخدام الاسمنت الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن القليل من مواد البناء مستمرة في دخول غزة عن طريق معبر رفح، لا تزال هذه السياسة سارية. هذه ليست أخبارًا جديدة. ولكن مع مرور كل يوم هناك المزيد ممن يفقدون مصادر رزقهم في غزة، هناك المزيد من الشقق الناقصة، ولا يتم بناء المزيد من المدارس والعيادات.

ويستدل من بحث لاتحاد الصناعيين في غزة أن 269 مشروع بناء توقف بسبب النقص في مواد البناء، والآن لا يوجد سوى 81 مشروعًا نشطًا في غزة، بتمويل من قطر أو المؤسسات الدولية (بالإضافة إلى 27 مشروعًا للأونروا). وهنا يدور الحديث عن مبانٍ للجامعات والمدارس والمرافق الصحية والسكن والإسكان، والمياه والصرف الصحي، وكلها ضرورية جدا لقطاع غزة كونها مشاريع مدنية.

لا يستطيع أي مجتمع عصري أن “يعيش” بشروط وظروف معقولة من دون توفّر مواد بناء. هناك دائما حاجة لشقق جديدة، مدارس وبنى تحتية. “عندما أدركنا أن الباطون الذي يدخل إلى هناك، أو الاسمنت أو وسائل البناء، تستخدم في نهاية المطاف كوسائل هجومية ضدنا، قررت إيقاف نقل الإسمنت وجميع وسائل البناء الأخرى”. هذا ما قاله وزير الأمن موشيه يعلون في تشرين الثاني 2013. “للأسف هذا الثمن الذي سيدفعه السكان، لكن هذا ردنا أيضًا”. في هذه الأثناء، المدنيون يدفعون الثمن كل يوم. كم من الوقت سيستمر ذلك؟ يَعلون لم يعطِ جوابًا، كما لم يقل في أي ظروف أو شروط سيرفع الحظر عن دخول مواد البناء إلى غزة. “الهدوء سيقابل بالهدوء” صرح مجددًا هذا الأسبوع أثناء جولته مع وحدة غزة التابعة للجيش الاسرائيلي.

كيف يتحتم على الغزيين أن يعيشوا بدون مواد بناء، بدون عمل، بدون مدارس أو مرافق أساسية لتطهير المياه الآسنة؟ في وزارة الأمن الاسرائيلية لم يقولوا شيئًا في هذا الشأن. مرّت 8 شهور، وفي وزارة الأمن لم يقترحوا حتى خطة تدمج بين الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية والاحتياجات الإنسانية الأساسية لـ1.7 مليون مواطن في قطاع غزة.