1. أليس صحيحا أن إسرائيل تمنع الحركة الحرة للبضائع من وإلى قطاع غزة نتيجة تهديدات أمنية محددة؟

كلا. فبعد سيطرة حماس على الحكم في القطاع في حزيران 2007، فرضت إسرائيل قيودًا متشددة على كمية البضائع وأنواعها التي تسمح بنقلها إلى قطاع غزة، وحظرت على نحو شبه مطلق التصدير منه. وقد جاءت هذه القيود كجزء من سياسة معلنة ترمي إلى ممارسة الضغط على المدنيين الساكنين في قطاع غزة، في مسعى لأن يضغط هذا على حكومة حماس في القطاع. بخلاف المرات السابقة، لم تسوِّغ إسرائيل هذه القيود بالاعتبارات الأمنية، من قََبيل وجود تهديد مباشر على المعابر، أو التهديد الذي تشكّله البضائع التي يسمح بنقلها، واحتمال استخدامها في خدمة الأعمال العسكرية. ووفقَا للسياسة الجديدة، تم تقييد البضائع التي يسمح بنقلها إلى القطاع لمستوى “الحد الأدنى الإنساني” والذي يشمل فقط البضائع “الضرورية لبقاء المجتمع المدني”. ثمة سلع كثيرة تمنع إسرائيل نقلها, منها المأكولات, وعتاد الصيد, والورق, رغم عدم وجود أي شك في ثنائية استعمالها لأهداف مدنية وعسكرية في آن واحد.
لقد أسفرت هذه القيود عن وقف النشاط الاقتصادي في القطاع، وشلّ الإنتاج، وتدهور مستوى الحياة في القطاع، ليس إلا بقصد شل الاقتصاد في قطاع غزة. للحصول على معلومات إضافية الرجاء الإطلاع على ورقة معلومات أصدرتها جمعية مسلك (جيشاه) تحت عنوان “القيود المفروضة على حركة البضائع إلى غزة : عقبات وغموض” (متوفر باللغة الإنجليزية على موقع www.gisha.org)

2. ما سبب حظر إدخال المواد الخام إلى قطاع غزة؟

حظر نقل المواد الخام إلى قطاع غزة هو جزء من السياسة الاقتصادية التي تدعوها إسرائيل “العقوبات الإقتصادية”، أو “الحرب الإقتصادية”، وتدعوها منظمات حقوق الإنسان “عقوبات جماعية”. فمنذ حزيران 2007 تتيح إسرائيل بنقل السلع التي تُعرّفها كـ”ضرورية لبقاء المجتمع المدني” فقط إلى غزة ، ولا تندرج المواد الخام الضرورية للصناعة في هذا التعريف، وعليه، يُمنَع نقلها. في حقيقة الأمر، ليس حظر نقل المواد الخام إلا جزءًا من السياسة التي ترمي إلى الحد من التطور الاقتصادي في القطاع. والدليل على ذلك مثلا، سماح إسرائيل لسكان غزة بشراء رُزَم المرجرين الصغيرة، وهو من المواد الاستهلاكية، في حين تحظر نقل قطع المرجرين الكبيرة لأنها معدَّة للاستخدام الصناعي وليس للاستهلاك البيتي، إذ يمكن استعمالها مثلا في مصنع محلي لإنتاج البسكويت، وهو الأمر الذي تأباه إسرائيل لأنه ينطوي على نشاط اقتصادي. أي أن ما تود منعه ليس المنتَج بحد ذاته، بل استعماله لأهداف صناعية. أي أننا أمام سياسة ترمي إلى تدمير الاقتصاد في قطاع غزة كوسيلة ضغط.

3. أي من البضائع يُسمح بإدخالها إلى غزة وأي بضائع ممنوعة؟

لا يمكن معرفة ذلك بشكل دقيق، إذ ترفض إسرائيل الكشف عن قائمة السلع التي يُسمح بدخولها إلى قطاع غزة أو الإفصاح عن إجراءات أخرى لها علاقة بتقييد مرور البضائع. لأشهر عديدة ادعت الدولة عدم وجود قائمة بالبضائع المسموح بإدخالها؛ لكن الدولة اعترفت، في ردها على التماس قدمته جمعية مسلك في إطار قانون حرية المعلومات، بوجود قائمة بالبضائع المسموح إدخالها ووثائق أخرى، لكنها ادعت أن كشف هذه الوثائق سيضر بأمن الدولة و/أو بعلاقاتها الخارجية. سيتم البحث في الالتماس في شهر أكتوبر 2010. ومع غياب المعلومات الرسمية، قامت مسلك بإعداد قائمة من السلع المسموحة والممنوعة، وذلك بناء على معلومات من تُجار فلسطينيين وإسرائيليين ومن منظمات دولية وأيضا لجنة التنسيق الفلسطينية: علمت هذه الجهات ما هو مسموح وما هو ممنوع من خلال الإجابات التي يتلقونها من موظفي منسق أعمال الحكومة في المناطق ردا على طلباتهم لإدخال بضائع إلى غزة. يمكن الإطلاع على قائمة البضائع المسموحة والممنوعة في موقع جمعية مسلك. من قراءة القائمة يظهر أن إسرائيل تمنع دخول بضائع مدنية خالصة، كالملح الصناعي والعلب الفارغة وعبوات الأغذية والجلوكوز.

4. هل يعاني قطاع غزة من أزمة إنسانية؟

على الرغم من المحاولات المتكررة لعدة سنوات، بما في ذلك التماس حسب حرية المعلومات، لم تحصل جمعية مسلك على جواب مُرضٍ لسؤال كيف تقيس إسرائيل “الأزمة” أو كيف تراقب الوضع الإنساني في القطاع، عندما تقرر هي من يستطيع مغادرة غزة ومن لا يمكنه ذلك. على أية حال, يصعب جدا الادعاء بأن اعتماد 80% على الأقل من السكان على مساعدات منظمات الإغاثة، ووجود اقتصاد مشلول، و90-95% من المياه الجوفية غير آمنة للشرب، وحركة مُقيدة إلى أدنى حد ممكن- لا تُشكل على أقل تقدير أزمة كرامة إنسانية.
على الرغم مما يبدو من وجود ما يكفي من الطعام في القطاع، إلا أن الضربة الصعبة التي تعَرض لها النشاط الاقتصادي نتيجة إغلاق القطاع تعني أن غالبية الناس لا تستطيع أن تسمح لنفسها بشراء منتجات الطعام تلك.

5. ألا توفّر الأنفاق احتياجات تجار القطاع؟

في أعقاب لجوء إسرائيل إلى سياسة الإغلاق التي تتيح إدخال “البضائع الإنسانية” فقط إلى قطاع غزة، نشأت على الحدود بين القطاع ومصر صناعة الأنفاق التي تحولت إلى أحد الفروع الاقتصادية الكبرى في القطاع. لقد غدت الأنفاق شريان حياة حيويًا لاقتصاد غزة، والوسيلة الوحيدة المتوفّرة للحصول على البضائع التي تمنع إسرائيل إدخالها من المعابر التي تتحكّم بها. إلى ذلك، تستغَل الأنفاق لتهريب الوسائل القتالية والأموال والأفراد. تخضع الأنفاق، التي يتراوح عددها بين 600 و-1000، لسلطة حماس التي تستفيد منها كمصدر لجباية الضرائب وللسيطرة على عملية دخول البضائع. مع ذلك، لا يمكن للأنفاق أن تشكّل حلا للصناعة في غزة جراء عدم اليقين من فرص وصول المواد والمنتوجات على نحو منظَّم وعدم القدرة على التكهّن بمصيرها، فالأنفاق معرضة في كل لحظة للإغلاق أو للقصف. إلى ذلك، ثمة التكاليف الباهظة على نقل البضائع، والأضرار التي تلحق بها جراء طبيعة مسار نقلها، علاوة على النوعية المتدنية للسلع التي يتم ابتياعها. لا تلائم العوامل المذكورة عملية استيراد المواد الخام أو تصدير المنتجات النهائية التي يتمكّن القطاع الإنتاجي في غزة من صناعتها. ثم إن المنظمات الدولية التي تعمل على إعادة إعمار قطاع غزة لا يمكنها شراء مواد البناء وسائر السلع عبر الأنفاق، فبخلاف حكومة حماس، تحتاج هذه المنظمات الفواتير مقابل المنتجات التي تشتريها. وقد اقترحت الأمم المتحدة نظامًا لإدخال مواد البناء عبر المنافذ التي تسيطر عليها إسرائيل بما يكفل وصول المواد إلى العنوان الصحيح، لكن إسرائيل لم توافق على تطبيق هذا الاقتراح وسمحت، منذ كانون الأول 2009، بإدخال الزجاج, والخشب, والالومنيوم (إبتدائًا منذ إواخر كانون الاول 2009) لا غير. فوق كل هذا وذاك، يجب الإشارة إلى أن الأنفاق تمتاز بعدم سلامتها: فمنذ فرض الإغلاق، لقي ما يزيد عن 110 أشخاص، ومن بينهم أطفال، حتفهم أثناء عملهم هناك، جراء القصف الجوي وحوادث العمل التي تؤدي إلى انهيار الأنفاق.

6. لماذا لا تزال إسرائيل تتحمل المسؤولية عن تنقّل البضائع إلى غزة ومنها رغم “فك الإرتباط”؟

تواصل إسرائيل السيطرة على جوانب أساسية من الحياة في قطاع غزة. من هنا، فإن عليها استحقاقات يجب أن تلتزم بها. فهي تسيطر منذ العام 1967 على قطاع غزة والضفة الغربية كقوة محتلة. ورغم تنفيذ خطة “فك الإرتباط” في أيلول 2005 وإخلاء إسرائيل المعسكرات العسكرية الثابتة والمستوطنات المدنية التي أقيمت على أراضي قطاع غزة، فإنها لا تزال تسيطر سيطرة كاملة على مياه قطاع غزة وعلى حيّزه الجوي، علاوة على المعابر البرية القائمة بين غزة وإسرائيل. إضافة إلى ذلك، تمارس إسرائيل سيطرة غير مباشرة لكن نوعية على معبر رفح الذي يصل غزة بمصر. إن السيطرة الإسرائيلية على المعابر بين قطاع غزة والعالم الخارجي، فضلا عن سيطرتها على جوانب أخرى بالغة الأهمية تتعلق بالحياة في قطاع غزة، كسِجلّ السكان، والنظام الضريبي – يقيم إلتزامًا يتوجب على إسرائيل تنفيذه تجاه السكان في القطاع. تعتقد جمعية مسلك (جيشاة) أن هذا الإلتزام أمر مستوجَب بناء على القانون الإنساني العالمي بصفة إسرائيل قوة محتلة في غزة. حتى المحكمة، التي لا تعتبر أن قوانين الاحتلال تسري على غزة، أعلنت أن إسرائيل لا تزال تتحمل الواجبات حيال سكان قطاع غزة، وهي الواجبات النابعة، من بين أسباب أخرى، من وضع الحرب السائد بين إسرائيل وبعض الفصائل المسلحة في غزة، ومن سيطرتها التي لا تزال قائمة على حدود غزة، وكذلك من التبعية الشديدة التي تربط القطاع بالخدمات القادمة من إسرائيل، والتي تكونت جراء سنوات طويلة من سيطرة إسرائيل المباشرة على القطاع – منذ العام 1967 إلى 2005. على أي حال، مهما كان الأمر، فإن إسرائيل لا تزال تتحمل المسؤولية تجاه قطاع غزة وسكانها في المجالات التي تسيطر عليها، بما في ذلك حركة الأفراد من القطاع وإليه. فوق هذا وذاك، فإن الاستحقاق الإسرائيلي أمر يقتضيه القانون الإنساني الدولي الذي يفرض على إسرائيل المحافظة على النظام العام وتوفير الحياة السليمة للسكان المدنيين. من هنا، فإنه يتوجّب على إسرائيل أن تحرص على أن توفّر سياستها في أمر المعابر حياة سليمة لسكان القطاع.
وكانت إسرائيل قد تعهدت في الاتفاقات السياسية بإتاحة تنقّل الأفراد والبضائع بين القطاع والضفة: ففي اتفاق المرحلة الانتقالية مثلا، وهو اتفاق ذو مقام قانوني، عرّفت إسرائيل غزة والضفة الغربية على أنهما وحدة جغرافية واحدة يجب تمكينها من ممارسة حرية الحركة للأفراد وللبضائع؛ أما اتفاق المعابر الذي وقعت عليه كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية بعد الانفصال عن قطاع غزة، فقد قضى بأن تتيح إسرائيل تنقّل القوافل التي تحمل السلع أو الأفراد بين قطاع غزة والضفة الغربية، الأمر الذي لم يخرج إلى حيز التنفيذ على الإطلاق. وكانت من نتائج الأمر إحداث شلل شبه مطلق في النشاط التجاري بالقطاع، وإلى تفقيم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها سكانه على نحو متصاعد.

7. لماذا يتوجب على إسرائيل منح التسهيلات للفلسطينيين من غزة، ما دام الأخيرين يواصلون قصف صواريخ القسام واحتجاز جلعاد شاليط؟

يلحق الإغلاق الخانق الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة الضرر بكل شخص في القطاع- والذي نصف سكانه من القاصرين- دون أي علاقة بتورطهم شخصيًا في نشاطات عنيفة ضد إسرائيل. وهكذا يصبح الإغلاق الذي تضربه إسرائيل نوعًا من العقاب الجماعي الذي يحظره القانون الدولي. إن حظر معاقبة المدنيين على نشاطات لم يقوموا هم بتنفيذها يُشكل مبدءًا أساسيًا في القانون الإنساني ويعبر عن الرغبة في التمييز بين أولئك الذين يشاركون في القتال وبين المواطنين الذين لا يشاركون في القتال، من خلال تحديد آليات دفاع لحماية الأخيرين. إن إطلاق صواريخ القسام نحو سكان مدنيين في إسرائيل هو أمر مرفوض ويعتبر خرقًا للقانون الدولي. مع ذلك فإنه لا يبرر القيام بفرض قيود على الحركة على عموم السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث أن القانون الدولي يحظر معاقبة الطلاب والمدنيين الآخرين، التي تُسيطر على حرية تحركهم دولة إسرائيل، في أعقاب ظروف سياسية أو أخرى لا سيطرة لهم عليها. كذلك الأمر أيضا بالنسبة لإحتجاز جلعاد شاليط في الأسر حيث لا يبرر ذلك فرض القيود على عامة السكان.